عدن.. حين انتصرت الإرادة

 

✍️ بقلم:المستشار/سالم سلمان

تمرّ ذكرى السابع والعشرين من رمضان، فتعود الذاكرة إلى تلك الأيام التي لم تكن مجرد معركة في تاريخ اليمن، بل كانت اختباراً حقيقياً لمعنى الكرامة والإرادة.. كانت عدن يومها تقف على حافة الألم، لكنها في الوقت ذاته كانت تُعيد اكتشاف قوتها الكامنة في أبنائها.

كنتُ هناك، مثل كثير من أبناء هذه المدينة، لا بصفةٍ رسمية ولا بموقعٍ سياسي، بل بصفة ابنٍ لعدن، يحمل في قلبه ما يحمله كل عدني من عشقٍ للحرية ورفضٍ للخضوع.. كنا نعلم أن المعركة لم تكن فقط من أجل مدينة، بل من أجل فكرة.. فكرة أن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحياة لا يمكن أن تُهزم.

في تلك الأيام، لم تكن الشوارع مجرد طرقات، بل تحولت إلى مساحاتٍ للكرامة.. كان المقاتلون الشرفاء يقفون بثباتٍ نادر، وكانت عدن كلها تقاتل معهم؛ من يقف في المتراس، ومن يسند بكلمة، ومن يفتح بيته، ومن يرفع روحه قبل سلاحه.

كان المشهد أكبر من معركة. كان إعلاناً صريحاً أن إرادة الناس أقوى من كل مشاريع القهر، وأن المدن التي تُحب الحرية تعرف كيف تنتزعها مهما كان الثمن.

ولأن التاريخ لا يُكتب بالصدفة، فقد جاء النصر يومها نتيجة دماءٍ طاهرة سقطت على تراب هذه المدينة، ونتيجة صمودٍ قلّ نظيره في تاريخنا الحديث. من تلك اللحظة، لم تعد عدن مجرد مدينةٍ نجت من السقوط، بل أصبحت رمزاً لروحٍ لا تُقهر، وبداية لتحولٍ استراتيجي أعاد الأمل في إمكانية استعادة الدولة وإنهاء مشروع الانقلاب.

غير أن استحضار تلك اللحظة اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد احتفاءٍ بذكرى، بل تذكيراً بالمسؤولية. فالنصر الحقيقي لا يكتمل إلا حين تتحول تضحيات المقاتلين والشهداء إلى دولةٍ عادلة، ومؤسساتٍ قوية، وحياةٍ كريمة للمواطنين.

لقد علمتنا عدن في تلك الأيام درساً بليغاً: أن الثورة ليست غضباً عابراً، بل إيمانٌ عميق بالمستقبل.. وأن الحلم ليس وهماً، بل مشروع وطنٍ يستحق أن نعمل من أجله.

ولهذا، فإن الوفاء الحقيقي لتلك الملحمة لا يكون فقط بتذكرها، بل بحمايتها من الضياع، والعمل على تحويلها إلى بداية عهدٍ جديد تُبنى فيه الدولة على أسس العدالة، والشراكة، والكرامة الوطنية.

رحم الله الشهداء وشفى الجرحى، وحفظ هذه المدينة التي أثبتت أن الحرية قد تتأخر.. لكنها لا تموت.

* نائب وزير الصناعة والتجارة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى