دبلوماسية الفراغ.. كيف يُدير العالم مواجهة نووية بلا عقول

نيويورك – سمر نادر – خاص النشرة
يدخل العالم مرحلة متوترة من التهديدات، حيث لم تعد الأسلحة التقليدية وحدها سيدة الساحات، بل تُستدعى أسلحة الدمار الشامل، والرؤوس النووية، وتقنيات كهرومغناطيسية متقدمة، لتُفتح أمامنا أبواب فصل جديد من “حرب النجوم” المعاصرة. هذه التحوّلات تُلغي أي ترَف سياسي أو خطاب إنشائي، وتُحرج كل الدول، الكبيرة والصغيرة، من بينها لبنان، في مطبّ المحاولات للموازنة بين التحالفات الكبرى وخطر الانجرار إلى نزاعات مفتوحة لا تُحمد عُقباها.
في هذا الإطار، تبرز أزمة دبلوماسية عالمية حقيقية. فالعالم يُدير مواجهة بهذا الحجم، وسط شحّ واضح لـ”كبار الأدمغة السياسية والدبلوماسية” الذين كان من الممكن أن يُجنّبوا الساحة الدوليّة الحروب المدمّرة. حيث يفتقد اليوم نوع من الرؤى الاستراتيجية التي كان يُمثّلها في المرحلة السابقة دبلوماسيون مثل كاثرين آشتون وأمين عام الأمم المتحدة السابق كوفي عنان والمرأة الفولاذية مارغريت تاتشر، الذين امتلكوا قدرة على التوفيق بين ضغط الميدان وحاجة الطاولة، أما اليوم فالفراغ مليء بمشهد من الشخصيات الأقرب إلى الإعلام “والأصهرة” والدوائر الأمنية منها إلى مهندسي مفاوضات متوازنة.
في صلب هذه المواجهة، تبرز أسماء غير مُعدّة للدور المفاوض: جاريد كوشنر، الصهر من دون سيرة دبلوماسية، يُكلّف في المفاوضات على ملفات عالميّة حساسة، بيت هيغثيت، المذيع الأكثر صيتاً ونجومية، يختلط في ذهنه تحليل الملف النووي كحدث سياسي معقّد وبين تحليل مقطع تلفزيوني للمشاهدين، وجي دي فانس، نائب الرئيس، يُطلق خطاباً نارياً عن “الخطوط الحمراء” وفشل التفاوض، لكنه لا يُقدّم إطاراً دبلوماسياً يُبعد شبح الحرب، بل يُعزّز القناعة بأنها الخيار الأكثر جهوزية.
وفي إيران، تعيد تمثيلها في الملف النووي بنفس الوجوه مثل عباس عراقجي وعلي باقري كني، اللذان يُقدّمان خطاباً دبلوماسياً علمياً، لكنه يُترجم على الأرض مراوغة واستنزاف، لا إلى تنازلات واضحة، فيُنظر إليهما في المحافل الدوليّة كـ”ممثلين دبلوماسيين” يُجيدان المناورة، لكنهما لا يُحرّران الملف النووي من أزمته، فتنحسر معهما حظوظ احتمال التسوية، وتبقى طهران تُفاوض في معركة بقاء واستمرار لا لإنجاز اتفاق حقيقي. باقري نفسه يدخل الطاولة كـ”وزير دبلوماسية”، لكنه يخرج كـ”ساعي بريد رسمي”، يحمل بياناً علمياً ومعدّاً سلفاً، لا يُفاوض بحريّة، بل يُنفّذ حدوداً مرسومة سلفاً، فيصبح صوتاً أكثر من كونه مفاوضاً صاحب قوة.
إسرائيل تُقدّم نفسها في المفاوضات مع إيران كلاعب يطلب الدعم المستمر، فتقدّم أسماء كـ إيلان شولاي وموشيه يعلون ومسؤولين في الموساد، ليس كمهندسي حلول، بل كوسيلة ضغط وتصعيد، يرفعون سقف التهديد، ويبنون سيناريوهات الحرب، بينما يُبقون الملف النووي عالقاً، وسط فراغ عربي أوسع، تمثّله جامعة الدول العربية كهيئة تفتقد للمبادرة، فينام المشهد في ملعب تُهيمن عليه واشنطن، ويتذرّع الرئيس الاميركي دونالد ترامب بـ”فاتورة الدفاع” عن الخليج، بينما يُنظر إلى الدول العربية كمن يدفع الثمن.
في هذا الخضمّ، يُجمع المراقبون على استنتاج واحد: الحرب لن تنتهي طالما بقيت طاولة المفاوضات بيد شخصيات غير مهيأة لإدارتها وهي متشابكة، وطالما بقيت المواجهات العسكرية متقدمة على وزارات الخارجية في صنع قرار الحرب والسلم.
لبنان، الذي لطالما شكّل مساحة تلاقٍ بين الشرق والغرب، يجد نفسه اليوم عاجزًا عن تأليف وفد مفاوض مستقل عن كل الانقسامات الداخلية، وتحريك سفاراته الدبلوماسية بشكل لافت خاصة في عواصم القرار. في هذا السياق، تصبح الخطوة الرمزيّة بطرد السفير الإيراني مجرد عمل فلكلوري لا يقدّم ولا يؤخّر في الصراع الدائر، إذ أنه أكبر بكثير من اعتماد أو سحب اعتماد سفير، ويتصل في جوهره بوجود ايراني وسيطرة سلطات لا تعد ولا تحصى في المشهد السياسي والأمني للبنان.
المرحلة تفرض معركة دبلوماسية شرسة بوجه كل من يعتدي على لبنان، وفي صلب هذا الموقف تقف دولة لبنانية لم تنجح منذ عام 1990 في بناء مؤسسات وسلطة موحدة، فخلّفت فراغاً يُستغلّ إيرانياً وغير إيراني، ليُصبح هذا الفراغ حاضنة للنفوذ وساحةً للاجتياح غير المعلن. في هذا الفراغ تتأرجح السياسة بين المحاور، ويبقى السؤال المعلّق خاتمة لكل هذا المشهد: متى يبني لبنان دولةً تفاوض العالم من موقع القرار الوطني الواحد، لا من موقع الحاجة والارتهان؟.
سمر نادر، الأمم المتحدة-نيويورك



