ماذا ستكلف حرب الجغرافيا الأسواق العالمية ؟

Rashad Alkhader

نيويورك – رشادالخضر

الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في يومها الـ28..من الحرب التي تقودها الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل ضد إيران، والتي اندلعت يوم السبت فيما نحن اليوم الجمعة ، لم يعد السؤال الاقتصادي محصوراً في “كم ارتفع النفط؟” بل أصبح: كيف يعيد العالم تسعير المخاطر عندما يتحول عنق زجاجة طاقة عالمي إلى ساحة اشتباك، وحين تتقاطع الضربات العسكرية مع سلاسل الإمداد والتأمين والشحن والاستثمار؟ ما نشهده ليس مجرد تقلبات آنية، بل عملية “إعادة تسعير” واسعة تمتد من أسواق المال في آسيا وأوروبا إلى أسواق الخليج، ومن أقساط التأمين البحري إلى قرارات المصافي وشركات النقل وتوقعات التضخم.

اللافت أن أول رد فعل للأسواق كان “صدمة”، ثم تلاه “ارتداد” حاد يكشف طبيعة المرحلة: المستثمرون لا يملكون اليقين، لكنهم يملكون آلية سريعة لتبديل المراكز بين المخاطرة والتحوّط. في آسيا، قادت كوريا الجنوبية موجة تذبذب استثنائية؛ هبوط حاد تلاه ارتفاع يقارب عشرة في المئة في جلسة لاحقة، في مشهد يعكس كيف يمكن لجلسة واحدة أن تمحو مكاسب أسابيع أو تعيدها خلال ساعات، خصوصاً مع حساسية الاقتصاد الكوري لأسعار الطاقة واعتماده على الاستيراد. وفي أوروبا، شهدت المؤشرات تحسناً تدريجياً مقارنة باليوم الأول من التصعيد، لكن الأداء بقي “حذراً” ومتأثراً مباشرة ببوصلتين: مسار النفط والغاز، وإشارات انقطاع الإمداد أو استمرارها.

المعادلة الحاكمة لليوم السادس هي أن أسواق المال بدأت تميز بين “أثر الصدمة” و”أثر الاستدامة”. صدمة اليوم الأول تُسعَّر سريعاً، لكن الاستدامة تُسعَّر على مراحل وبعلاوة مخاطر متصاعدة، لأن المستثمر لا يستطيع تقدير مدة الإغلاق أو شكل التصعيد المقبل. هذا ما يفسر أن جزءاً من الأسواق عاد لالتقاط الأنفاس، فيما ظلّت الطاقة والتأمين والشحن في قلب العاصفة.

في أسواق النفط، ارتفعت علاوة المخاطر بوضوح. خام برنت لامس مستويات في نطاق منتصف الثمانينات وفق تغطيات متعددة، وسط تقارير عن تراجع كبير في حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، ومعها تصاعد “القيمة الاحتمالية” لسيناريوهات الأسوأ: انخفاض التدفقات، تعطل الإمداد، والانتقال من اضطراب أسبوعي إلى أزمة شهرية. وفي الخلفية، يظل العنصر الأكثر حساسية هو أن مضيق هرمز ليس “سعراً” بل “وظيفة” في النظام الاقتصادي العالمي: هو الممر الذي يجعل نفط الخليج جزءاً من العرض العالمي اليومي، وأي خلل فيه ينعكس فوراً على توقعات التضخم وعلى كلفة النقل وعلى مزاج الأسواق.

لكن النفط ليس وحده. الغاز الأوروبي عاد إلى واجهة التوتر، لأن أي اضطراب ممتد في الخليج يرفع من قلق أوروبا على بدائلها وعلى تدفقات الغاز المسال، ما يُعيد فتح ملف الأسعار والتنافس على الشحنات في الأسواق الفورية. وفي هذه النقطة تحديداً، تُظهر الأسواق كيف تنتقل بسرعة من “تسعير الحرب” إلى “تسعير التضخم” ثم إلى “تسعير الركود”: ارتفاع الطاقة يضغط على الاستهلاك، يرفع تكاليف التصنيع والنقل، ويضرب هوامش الشركات، خصوصاً في أوروبا التي تظل حساسة لأي صدمة طاقة متجددة.

على مستوى القطاعات، الحرب تعيد توزيع الرابحين والخاسرين بشكل كلاسيكي لكنه أكثر حدة هذه المرة بسبب البعد البحري. شركات الطاقة تستفيد من ارتفاع الخام، بينما شركات الطيران تتلقى ضربة مزدوجة: ارتفاع الوقود وقيود المجال الجوي وتعطل بعض المسارات. في المقابل، أسهم مرتبطة بالتأمين والخدمات المرتبطة بالمخاطر قد تشهد دعماً قصير الأجل، لأن ارتفاع أقساط التأمين البحري والجوي يُترجم سريعاً إلى هوامش أعلى لبعض الشركات، لكنه في الوقت نفسه يزيد كلفة التجارة العالمية ويضغط على أسعار السلع النهائية.

أما عقدة التعقيد الحقيقي فتظهر في “اقتصاد الشحن”. التهديد أو الاستهداف في ممرات قريبة من المضيق لا يرفع سعر النفط فقط؛ بل يرفع كلفة التأمين، ويُرغم بعض الشركات على تجنب المسارات أو إبطاء الرحلات أو تعليق عمليات مؤقتاً، ما يخلق نقصاً اصطناعياً حتى لو كان الإنتاج قائماً. هنا تتحول الحرب إلى ضريبة غير مرئية على التجارة: ضريبة تُدفع عبر أقساط التأمين، وزمن الرحلة، وتكاليف الأمن البحري، وتذبذب التسليم. لذلك، حتى لو نجحت بعض السفن في المرور، فإن “السعر” الذي تدفعه السوق هو سعر المخاطرة، لا سعر البرميل وحده.

الصورة في الخليج تحمل مفارقة مهمة: الأسواق المحلية بدأت تمتص الصدمة تدريجياً بعد تراجعات أولية، في إشارة إلى أن المستثمر الإقليمي يراهن على عاملين؛ الأول هو قدرة السلطات النقدية والمالية على منع الذعر، والثاني هو أن الاقتصاديات الخليجية رغم قربها الجغرافي تملك أدوات امتصاص عبر السيولة والإنفاق والاحتياطيات. لكن التعافي في المؤشرات لا يلغي حقيقة أن القطاعات المرتبطة بالسفر واللوجستيات والاستهلاك قد تتأثر إذا طال أمد الأزمة، وأن أي استهداف للبنية النفطية أو تعطيل شحن طويل سيحوّل المسألة إلى اختبار مالي أوسع.

سياسياً، بدأت الحرب تترك ظلالاً على واشنطن من بوابة الاقتصاد. النقاش المتصاعد حول صلاحيات الحرب، وعودة الحديث في الكونغرس عن القيود الدستورية، يعكس أن تكلفة الحرب لا تُقاس عسكرياً فقط، بل تُقرأ انتخابياً أيضاً، لأن ارتفاع أسعار الوقود وتذبذب الأسواق يلامس المزاج العام بسرعة، خصوصاً إذا ارتبطت الحرب بمخاوف من “توسع المهمة” أو طولها. ومع ذلك، يظهر في المشهد الأمريكي أيضاً تيار جمهوري داعم يرى أن كلفة الردع أقل من كلفة ترك التهديد يتراكم، وأن استقرار الأسواق على المدى الطويل مرهون بإزالة عوامل الخطر التي تُعطل التجارة والطاقة. هذه المقاربة تراهن على أن “حسم القدرة” يسبق “تعافي الاقتصاد”، بينما يجادل المعارضون بأن الاقتصاد يدفع فاتورة مفتوحة قد تعيد إنتاج تجارب استنزاف سابقة.

الاستنتاج الاقتصادي في اليوم الثامن والعشرين واضح: الأسواق لا تتعامل مع الحرب كحدث، بل كسيناريوهات. السيناريو الأقرب للأسواق الآن هو استمرار علاوة المخاطر في الطاقة والشحن، مع ارتدادات متقطعة في أسواق الأسهم كلما ظهرت إشارات تهدئة أو قدرة على الاستيعاب. أما السيناريو الأخطر فهو امتداد التعطل في المضيق لفترة أطول، لأن هذا يُحوّل الأزمة من “ارتفاع أسعار” إلى “اختبار إمداد”، ومن اختبار إمداد إلى “صدمة تضخم عالمية” قد تُجبر بنوكاً مركزية على خيارات أصعب بين كبح التضخم وحماية النمو.

في النهاية، هذه الحرب لا تُعيد ترتيب خرائط السياسة فقط، بل تُعيد ترتيب خرائط التسعير في الاقتصاد العالمي: من سعر البرميل إلى سعر التأمين، ومن سعر الشحن إلى سعر المخاطرة، ومن تقلبات يومية إلى إعادة تقييم استراتيجي لكيفية حماية شرايين التجارة والطاقة في عالم باتت فيه الجغرافيا السياسية جزءاً من تكلفة المعيشة اليومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى