صراع الاستخبارات في أوروبا: كيف تحول نظام طهران إلى تهديد عابر للحدود؟

د. مصطفى عبدالقادر أستاذ جامعي
عين اخبار الوطن

شهدت القارة الأوروبية في الآونة الأخيرة تحولاً نوعياً في تقييمات التهديدات الأمنية التي تواجه استقرار مجتمعاتها. وفي هذا السياق، جاء التقرير الصادر عن جهاز الأمن والاستخبارات الدنماركي في 29 مايو 2026، ليضع النقاط على الحروف بشأن الدور المتنامي لنظام طهران في تنفيذ أنشطة أمنية توصف بـ “الإرهابية” على الأراضي الأوروبية. هذا التقييم، الذي أبقى على حالة التأهب عند الدرجة الرابعة، لا يعكس مجرد قلق لحظي، بل يشير إلى تحول بنيوي في أسلوب العمليات الاستخباراتية الإيرانية، مما يفرض تحديات جيوسياسية وأمنية جديدة على صانع القرار في الغرب.

استراتيجية “الإنكار المعقول”: توظيف الجريمة المنظمة

تُظهر القراءة التحليلية للتقرير الدنماركي، بالتوازي مع تحذيرات جهاز الأمن السويدي، أن استراتيجية النظام الإيراني قد انتقلت من الاعتماد الحصري على شبكات استخباراتية تقليدية إلى توظيف شبكات الجريمة المنظمة وعصابات الشوارع. تهدف هذه الخطوة إلى بناء ما يُعرف في الأدبيات الاستخباراتية بـ “الإنكار المعقول”؛ إذ يحاول النظام توفير مسافة دبلوماسية آمنة تتيح له التملص من المسؤولية المباشرة عن عمليات الاغتيال أو الترهيب التي تستهدف المعارضين المقيمين في أوروبا، وعلى رأسهم أعضاء المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.

إن هذا التكتيك ليس مجرد سلوك عشوائي، بل هو سياسة أمنية مدروسة تهدف إلى اختراق النسيج الأمني الأوروبي عبر أدوات غير رسمية، مما يصعب على الأجهزة الأمنية الغربية تعقب خيوط التمويل والتخطيط التي تعود في نهاية المطاف إلى أجهزة السلطة في طهران.

تداعيات التصعيد الإقليمي على الأمن الأوروبي

لا يمكن فصل هذه الأنشطة السرية عن سياق الصراعات الإقليمية المتفاقمة. فوفقاً للخبراء الأمنيين، هناك علاقة طردية بين توترات الشرق الأوسط – خاصة بعد الضربات التي استهدفت مواقع تابعة لـ حرس الولي الفقيه مطلع هذا العام – وتنشيط الخلايا التخريبية في الخارج. إن النظام، الذي يواجه ضغوطاً داخلية وأزمات شرعية متصاعدة، يسعى إلى “تصدير أزماته” عبر نقل ميدان الصراع إلى العواصم الأوروبية.

يأتي الكشف عن تورط عناصر مرتبطة باستخبارات أجنبية في بريطانيا ليؤكد أن الامتداد العملياتي لطهران لا يقتصر على دولة بعينها، بل يشكل تهديداً عابراً للحدود يمس سيادة الدول الأوروبية وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها. هذا الواقع يضع الحكومات الغربية أمام استحقاق صعب: كيف يمكن موازنة الرغبة في الحفاظ على قنوات تواصل دبلوماسية، وبين ضرورة حماية الأمن القومي من نظام بات يرى في الترهيب العابر للحدود أداة أساسية للبقاء؟

نحو مراجعة استراتيجية: نهاية سياسة المهادنة

طوال عقود، اختزل الغرب ملف إيران في قضية البرنامج النووي والتدخلات الإقليمية، متجاهلاً التحذيرات المستمرة من قوى المعارضة حول طبيعة النظام القمعية. لكن التقارير الأمنية الأخيرة تفرض واقعاً جديداً يربط بشكل وثيق بين القمع الداخلي في إيران والإرهاب الخارجي. إن استهداف المعارضين في أوروبا يعكس، في جوهره، حالة من الارتياب العميق لدى سلطة الملالي من وجود بديل ديمقراطي مهيكل يهدد ركائز حكمهم.

إن تحول الموقف الأوروبي – المدعوم بوقائع ميدانية وملاحقات قضائية – يؤكد أن سياسة “المهادنة” قد استنفدت أغراضها. فالمواجهة الاستراتيجية اليوم لم تعد مقتصرة على منع وصول النظام إلى السلاح النووي، بل باتت تتطلب استجابة أمنية وقانونية حازمة لتحجيم أذرع النظام التي تتغلغل في المجتمعات الديمقراطية.

في الختام، يمثل تقرير الاستخبارات الدنماركية ناقوس خطر يُنذر بضرورة تبني رؤية استراتيجية أكثر شمولية. إن أمن أوروبا ومصداقية قيمها الديمقراطية يعتمدان بشكل مباشر على مدى قدرتها على التصدي لهذه التهديدات، والاعتراف بأن تصفية حسابات النظام مع خصومه على الأراضي الأوروبية هي قضية لا تخص المعارضة فحسب، بل تمس جوهر استقرار الأمن الجماعي في القارة العجوز. إن وضع حد لهذه الممارسات يتطلب تحركاً دولياً منسقاً يقطع الطريق على استغلال حرية المجتمعات الديمقراطية للنيل منها.

د. مصطفى عبدالقادر أستاذ جامعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى