بين قاعات الامتحانات وميادين الصراع: الطلاب السودانيون يكتبون فصلاً جديداً من الصمود الوطني ويؤكدون أن العلم أقوى من الحرب

 

 

✍️ بقلم: الأستاذ أحمد العبيد

في لحظة وطنية فارقة، دوّى جرس انطلاق امتحانات الشهادة الثانوية السودانية بمناطق حكومة السلام معلناً انتصار الإرادة الإنسانية على واقع الحرب القاسي، ومؤكداً أن التعليم يظل السلاح الأقوى في مواجهة الجهل والدمار والتفكك. لم يكن هذا الحدث مجرد بداية لامتحانات دراسية، بل كان إعلاناً عملياً بأن الشعب السوداني قادر على صناعة الأمل وسط الركام، وأن الأجيال الجديدة ترفض أن تكون ضحية للصراعات السياسية والعسكرية التي عصفت بالبلاد. لقد أثبتت حكومة السلام، من خلال تنظيم الامتحانات وتوفير الظروف اللازمة لها، أن حماية حق الطلاب في التعليم مسؤولية وطنية لا تقبل التأجيل أو المساومة.

ويُعد نجاح الامتحانات في هذه الظروف المعقدة إنجازاً حقيقياً يعكس حجم الجهود التي بُذلت من قبل المؤسسات التعليمية والمعلمين والإدارات المحلية والمجتمعات المدنية، التي وضعت مصلحة الطلاب فوق كل الاعتبارات الأخرى. فقد تمكن آلاف الطلاب والطالبات من الوصول إلى قاعات الامتحانات ومواصلة مسيرتهم التعليمية رغم النزوح وانهيار الخدمات وتداعيات الحرب المستمرة. ويؤكد ذلك أن الإرادة السياسية عندما تتجه نحو خدمة المواطنين وصون حقوقهم الأساسية تستطيع أن تحقق نتائج ملموسة حتى في أصعب الظروف.

وفي المقابل، كشفت سياسات حكومة بورتسودان حجم الأزمة التي تعانيها مؤسسات الدولة عندما تتحول الحقوق الأساسية إلى أدوات للتمييز والإقصاء. فقد فضحت قضية امتحانات الشهادة الثانوية النهج الذي حرم أعداداً كبيرة من الطلاب السودانيين من حقهم المشروع في الجلوس للامتحانات بسبب اعتبارات سياسية وجغرافية لا علاقة لها بالعملية التعليمية. وأظهرت هذه السياسات وجهاً عنصرياً وإقصائياً يتناقض مع أبسط مبادئ العدالة والمواطنة المتساوية، حيث أصبح مستقبل الطلاب رهينة لقرارات سياسية ضيقة دفعت ثمنها الأسر والأبناء الذين وجدوا أنفسهم خارج أسوار التعليم بسبب ظروف لا يد لهم فيها. إن التعليم يجب أن يكون حقاً مكفولاً لكل السودانيين دون تمييز، لا وسيلة لمعاقبة المجتمعات أو تكريس الانقسام الوطني.

إن المشهد الذي رسمه الطلاب والطالبات وهم يتوجهون إلى قاعات الامتحانات يحمل رسالة أبلغ من كل الخطابات السياسية، مفادها أن السودان لا يزال قادراً على النهوض متى ما انتصرت قيم العدالة والإنصاف. فنجاح امتحانات الشهادة الثانوية بمناطق حكومة السلام يمثل انتصاراً للتعليم على الحرب، وانتصاراً للأمل على الإحباط، كما يمثل إدانة واضحة لكل السياسات التي سعت إلى حرمان الطلاب من حقوقهم الأساسية. واليوم، بينما يكتب هؤلاء الطلاب مستقبلهم بأقلامهم، تتجدد القناعة بأن بناء السودان الجديد يبدأ من المدرسة وقاعة الدرس، وأن العلم سيبقى دائماً الجسر الذي يعبر به الوطن نحو السلام والاستقرار والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى