هل طردنا انفسنا من الجنة حين اخترعنا المال؟

✍️ بقلم :زعفران علي المهنا
كان يمكن للحياة ان تكون ابسط بكثير…
لو اننا بقينا كما هبطنا اول مرة، بلا اثمان ولا ارقام، بلا دفاتر حساب ولا عملات تتبدل مع تبدل الايام. كان يمكن للارض ان تبقى كما هي: حضن مفتوح، لا يسأل من انت ولا كم تملك، فقط يعطيك ما يكفيك لتعيش.
لكننا لم نكتف.
هنا تبدأ الحكاية… حكاية تشبه همس شهرزاد حين كانت تخاف من الصمت اكثر من خوفها من الموت.
حكاية الانسان حين نظر حوله، فرأى الاشياء، ولم يرها فقط، بل اراد ان يملكها.
فقال: هذه ارضي.
وقال: هذا زرعي.
ثم قال: هذا لك… لكن بثمن.
وهنا، في تلك اللحظة الصغيرة التي لا ينتبه لها التاريخ، ولد المال.
لم ينزل معنا من السماء، لم يكن جزءا من الجنة التي خرجنا منها، لم يكن قانونا إلهيا مفروضا علينا. كان فكرة… مجرد فكرة. اتفقنا عليها، ثم صدقناها، ثم جعلناها اقوى من حاجتنا، واقسى من قلوبنا.
كبرت الفكرة، وصارت نظاما.
كبرت اكثر، فصارت قدرا.
صرنا نقيس كل شيء بها… حتى ما لا يقاس.
قيمة البيت، قيمة التعب، قيمة الوقت… وحتى قيمة الانسان.
بل وصل بنا الامر اننا، دون ان نشعر، بدأنا نزن المشاعر بميزان المال.
كم يساوي هذا الحب؟
كم تستحق هذه التضحية؟
وكم يساوي وجودك في حياتي؟
وكأننا نعيد خلق العالم من جديد… لكن هذه المرة، بشروطنا نحن.
وهنا يجيء السؤال الذي يطرق باب الروح بهدوء:
هل ما نعيشه اليوم هو نتيجة تلك اللحظة؟
هل حين اخترعنا المال، فتحنا بابا لم نعد نستطيع اغلاقه؟
هل نحن اليوم ندفع ثمن فكرة قديمة… فكرة ظنناها بسيطة؟
البعض يسميها نظاما اقتصاديا.
البعض يسميها تطورا حضاريا.
لكن هناك من يهمس في داخله: ربما هي كارما.
ليس بالمعنى الغامض فقط، بل بمعنى اعمق…
ان كل فعل، حتى لو كان فكرة، يترك اثرا.
وان كل اتفاق بشري قد يتحول مع الزمن الى قيد.
ربما لم يكن المال خطيئة… لكنه لم يكن بريئا تماما.
ربما كان وسيلة… فتحول الى غاية.
وربما كنا نملكه… فصار هو الذي يملكنا.
وفي وسط كل هذا، نقف نحن…
بين عالم كان يمكن ان يكون بلا اثمان،
وعالم اصبح كل شيء فيه له سعر.
وهنا، بصوتي انا… زعفران، اسألكم:
هل المال كارما… ام مجرد اختيار انساني دفعنا ثمنه؟



