*القانون ما بين البتراء وسور الصين العظيم*

 

✍️ بقلم / بسمة العواملة

كنت أتابع، كغيري من الأردنيين، تفاصيل زيارة جلالة الملك الأخيرة للصين. ومن ضمن ما قرأت بتفاصيل الزيارة، أنه تم توقيع اتفاقية ومذكرات تفاهم وتعاون في المجال القانوني والقضائي بين البلدين.

ففكرت قليلاً: كيف سيكون شكل هذا التعاون بين دولتين تختلفان جذرياً في فلسفة القضاء وفي آلية التعامل مع القضاة والمحامين؟
وجدت أن هناك اختلافات جذرية بين البلدين بشكل ملفت. وفي ظل هذا الاختلاف الكبير والعميق يثور السؤال المهم: في ظل هذا التعاون المصحوب بالاختلاف، كيف نحافظ على استقلالية القضاء وسيادة القانون وحجية قراراتنا الوطنية؟

فعلى سبيل المثال لا الحصر، وجدت اختلافاً جذرياً يمس جوهر الفصل بين السلطات بين البلدين. فالنظام القضائي الصيني قائم على مبدأ واحد مضمونه أن “القضاء أداة من أدوات الدولة والحزب”

فالقاضي والمحامي هناك يقسمان الولاء للحزب الشيوعي، والنيابة العامة جزء من هيكل الحزب، ودوائر العدل هناك تملك سلطة سحب تراخيص المحامين الذين “يتحدون سلطة الدولة”، ولا سيما محامي حقوق الإنسان. وهذا الأمر حقيقة أثار استغرابي. بمعنى آخر: لا يوجد فصل حقي بين السلطات، فالسلطة التنفيذية والحزبية هي العليا.

أما عندنا في الدولة الأردنية فالصورة مختلفة تماماً وتستند للدستور. فالمادة 97 تنص بصريح العبارة أن “القضاة مستقلون ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون”

والمادة 102 تؤكد على أن “المحاكم النظامية لها الولاية العامة في جميع القضايا المدنية والجزائية”
وليس هذا وحسب، فالمحامي لا يقسم إلا لله وللقانون، ونقابة المحامين هي وحدها من تملك حق مساءلته، لا الحكومة ولا أي حزب كان.

أي أن القضاء الصيني قائم على “قضاء الحزب” أما القضاء الأردني فهو يقوم على فكرة “قضاء القانون المستقل ”

وهنا قد يقول قائل: إذن ما فائدة هذا التعاون وما هي ضوابطه؟
هنا سأوضح أن الأصل في الشيء، ومن المتعارف عليه، أن الاتفاقيات القضائية لا تُبنى على التطابق، بل على المصلحة والاحترام المتبادل لسيادة كل دولة وقانونها ونظامها القضائي.

فما وقعته الأردن مع الصين لم يكن “توحيد أنظمة” بل كان تعاوناً تقنياً بحتاً يخضع لرقابة القضاء، بهدف تبادل الخبرات والتدريب، من خلال الاستفادة من التجربة الصينية في الرقمنة والذكاء الاصطناعي داخل النيابات.

وهنا يبرز السؤال الجوهري الأكثر عمقاً إذا تناولنا هذا التعاون من زاوية حقوق الإنسان وحماية هذه الحقوق ،هل نحن مستعدون لاستيراد تقنية قد تُستخدم لتحليل بيانات المتهمين على حساب خصوصيتهم التي كفلها الدستور والعهد الدولي؟ وإلى أي مدى يستطيع هذا التعاون ضمان الالتزام بضوابط حماية البيانات وتحت إشراف قضائي؟
هذه الاسئلة المفصلية تحتاج لبحث و تمحيص للخروج بإجابات تنسجم مع ما نصبو اليه و تساعد في تحقيق الغاية المرجوة من توقيع هذه الاتفاقيات.

ولا بد لنا هنا من أن نعرج لاتفاقية التعاون الأمني والقضائي التي وقعت عام 2015 بين البلدين، والتي تناولت مكافحة الجريمة العابرة للحدود، وجريمة الإرهاب، وغسيل الأموال، والجريمة المنظمة. وكذلك اتفاقية نقل السجناء التي وقعت منذ عام 2018 وما زالت سارية المفعول، والتي بموجبها يُسمح بإعادة السجناء الأردنيين من الصين لإكمال محكوميتهم في الوطن.

إذن فالصين تستفيد من الخبرة الأردنية في ملف مكافحة التطرف والإرهاب، والأردن يستفيد من القفزة التكنولوجية الصينية و تقدمها في مجال الذكاء الاصطناعي و التحول الرقمي.

وبناء عليه، فالتعاون اذن لا يعني الذوبان و الانصهار ، بل هو تعاون تبادلي تكاملي فالقانون الدولي والقضاء الأردني وضعا ضوابط دستورية كافية تمنع أي تعارض وتحمي حجية القرارات الوطنية.

كذلك الأمر فسيادة القانون والنظام العام يتمتعان بحصانة. فأي حكم قضائي صيني يصطدم بالدستور الأردني أو بحقوق الإنسان الأساسية، ستمتنع المحاكم الأردنية عن تنفيذه. فحجية الحكم الأجنبي ليست مطلقة، بل مشروطة بعدم مخالفته للنظام العام.

بالمحصلة التعاون مع الصين ضرورة ملحة وإنجاز يُحتفى به و يُبنى عليه فالعالم اليوم لم يعد منقسماً إلى “معسكرين قضائيين”.

بمعنى أنه بإمكان دولة تؤمن باستقلال القضاء أن تتعاون مع دولة تؤمن بتبعية القضاء، طالما أن التعاون محصور في الإطار الفني ويحترم سيادة القانون والفصل بين السلطات في كل طرف.

ومن باب أولى، وبناءً على كل ما ذُكر، فلا بد أن نوصي بأن تُعرض أي اتفاقية قضائية قادمة على مجلس القضاء الأعلى ونقابة المحامين قبل التوقيع، وأن يُرفق بها تقرير تقييم أثر على حقوق الإنسان والخصوصية. وأن يُنص صراحة في الاتفاقية على أن تنفيذ أي حكم أجنبي يخضع لرقابة القضاء الوطني وحجيته مقيدة بالنظام العام.

وإذا ما أخذنا كل هذه الملاحظات بعين الاعتبار، فسيكون التعاون بيننا وبين الصين تعاوناً مثمراً يحقق لنا قفزة نوعية في مجال التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، وسيكون مكملاً وحجر الأساس لجميع الاتفاقيات والمعاهدات في شتى المجالات. لأن العدالة لا تعرف حدوداً أو جغرافيا، ولكنها لا تتحقق إلا في ظل قانون مستقل.

وبالنهاية لا بد لنا من التأكيد على أن القانون لا يُصنع بالسرعة، بل بالحكمة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى