كهرباء عدن تحت المجهر.. تشريح أزمة لا تنتهي

 

بقلم ✍️ : مصطفى محمود

الحديث عن ملف الكهرباء في عدن والمحافظات المحررة في الوعي الشعبي السائد غالباً ما يقع في فخ التبسيط المُخل، حيث تُختزل المشكلة بأكملها في كفاءة الحكومة الحالية أو في توفر شحنة وقود من عدمه.. لكن تشريح الأزمة بموضوعية يكشف أننا أمام معضلة بنيوية مزمنة، أعمق بكثير من مجرد أداء سياسي عابر أو شحة الوقود، ومن أجل فهم هذه المشكلة البنيوية حاولت تفكيكها إلى ثلاثة أبعاد رئيسية على النحو التالي.

الأول: إن الجذر الحقيقي لأزمة الكهرباء في عدن لا يتعلق بكفاءة حكومة الزنداني، وليست أزمة وقود، بل أزمة قدرة. فالمحطات الحالية (الحسوة والمنصورة) انتهى عمرها الافتراضي، وكفاءتها تحت 30%، في هذه الحالة، حتى لو توفر الوقود بكميات غير محدودة، فإن المحطات تعاني من تآكل فني وعمر افتراضي منتهٍ يجعلها عاجزة عن تغطية الحد الأدنى من الطلب المتزايد. وهنا يكمن غياب البنية التحتية الاستراتيجية للتوليد والتوزيع، وهي معضلة تراكمت عبر عقود طويلة.

البعد الثاني: فهو معادلة تغيير هذا الواقع، حيث يتطلب بناء محطة جديدة بقيمة تقارب 500 مليون دولار وأربع سنوات لإنجازها، فيما تخسر شبكات النقل نحو 40% من الطاقة في الطريق. وبدون عملة مستقرة، لا يوجد مستثمر يغامر في قطاع الكهرباء. وبالتالي فإن إحداث تحول حقيقي في قطاع الطاقة ليس عملية سريعة.

بل يتطلب ميزانيات ضخمة بالعملة الصعبة لبناء محطات حديثة وتحديث شبكات النقل المتهالكة التي تبتلع نسباً كبيرة من الطاقة كفواقد فنية، وهذه المشاريع تحتاج إلى سنوات من العمل وتدفقات مالية مستقرة، وهو ما تفتقر إليه الحكومة الحالية، إضافة إلى معادلة المصالح لدى أطراف تربح من الظلام كتجار الطاقة المستأجرة وشبكات الفساد داخل مؤسسة الكهرباء، وأطراف سياسية تستخدم الانطفاء كورقة ضغط.

أما البعد الثالث: فهو واقع الإدارة الذي يشبه العمل في حقل ألغام، فالحكومة الحالية تتعامل مع هذا الملف في ظل اقتصاد هش للغاية ومؤسسات تعاني من ضعف تراكمي وضغوط تفوق طاقتها، إلى جانب بيئة معقدة يشوبها فساد منظم يستفيد من بقاء الوضع كما هو، كتجارة الطاقة المستأجرة، وكذلك التوظيف السياسي والمغرض للأزمة من قبل أطراف متعددة لتهييج الشارع.

والخلاصة أن الحكومة الحالية تواجه إرثاً ثقيلاً وتعمل وفق المتاح والممكن لإدارة الأزمة لا لحلها جذرياً، لأن الحل الجذري يحتاج استقراراً سياسياً واقتصادياً يسمح بضخ استثمارات ضخمة وطويلة الأجل.. وتحميل الإدارة الحالية المسؤولية الكاملة عن أزمة هيكلية عمرها عقود هو تشخيص قاصر أو مغرض يغفل تعقيدات الواقع.. فالكهرباء في عدن لن تُحل إلا بإصلاحات اقتصادية وبنيوية عميقة تحتاج إلى الوقت والمال وبيئة مستقرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى