نتائج محاولات نتنياهو تعطيل الاتفاق الأمريكي–الإيراني: بين ضغوط الداخل الأمريكي وسيناريوهات السلوك الإسرائيلي القادم

إيران والولايات المتحدة / Legion-Media

 

أ د / دحان النجار

في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، تبدو محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتعطيل أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران وكأنها تدخل مرحلة ارتدادية معاكسة، حيث لم تعد هذه التحركات تحقق أهدافها التقليدية، بل بدأت تُنتج تداعيات سياسية واقتصادية واستراتيجية قد تعجّل بتوقيع الاتفاق بدلًا من تعطيله. وفي هذا السياق، تتقاطع عدة عوامل رئيسية تفسر التحول في الموقف الأمريكي، وتفتح الباب أمام قراءة أعمق لسلوك إسرائيل المتوقع في المرحلة المقبلة.

أولًا: غضب ترامب وتسريع مسار التفاهم
تشير المعطيات السياسية إلى أن تصرفات نتنياهو، سواء عبر التصعيد العسكري أو الضغط عبر الكونغرس، لم تُقابل بالترحيب داخل الإدارة الأمريكية، بل أثارت حالة من الانزعاج، خصوصًا لدى الرئيس دونالد ترامب الذي يميل إلى إظهار نفسه كصانع صفقات كبرى.
هذا الغضب لم يترجم إلى قطيعة مع إسرائيل، لكنه دفع نحو نتيجة معاكسة لما أراده نتنياهو، حيث تم تسريع مسار التفاهم مع إيران، في محاولة لفرض أمر واقع سياسي قبل أن تتمكن أي أطراف داخلية أو خارجية من عرقلته.
ثانيًا: العامل الاقتصادي وأزمة الطاقة العالمية
إغلاق المضايق البحرية، خصوصًا في الخليج، أو حتى التهديد بذلك، أدى إلى حالة من القلق في الأسواق العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة بشكل يهدد الاقتصاد الدولي، وفي مقدمه الاقتصاد الأمريكي.
بالنسبة لواشنطن، لم يعد الصراع مع إيران مجرد قضية أمنية، بل أصبح عبئًا اقتصاديًا مباشرًا، ما دفعها إلى تفضيل خيار التهدئة عبر الاتفاق، بدلًا من الانخراط في تصعيد قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية.
ثالثًا: الانتخابات الأمريكية وضغط الداخل
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يدرك ترامب أن أي تدهور اقتصادي أو انخراط عسكري واسع قد ينعكس سلبًا على حظوظه السياسية. لذلك، فإن توقيع اتفاق مع إيران يُمكن تقديمه كإنجاز دبلوماسي يحقق الاستقرار ويخفض أسعار الطاقة، وهو ما يخدم حملته الانتخابية.
رابعًا: كأس العالم كعامل استقرار دولي
على الرغم من أن هذا العامل يبدو ثانويًا، إلا أن استضافة أحداث عالمية كبرى مثل كأس العالم تفرض ضغوطًا دولية لتجنب الانفجارات العسكرية الكبرى، لما لها من تأثير على الاقتصاد العالمي وحركة السفر والاستثمار.
خامسًا: تغيّر المزاج الشعبي الأمريكي تجاه إسرائيل
من أبرز التحولات التي تؤثر في المشهد الحالي هو التغير التدريجي في الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل. فقد بدأت قطاعات واسعة، خاصة بين الشباب والتيارات التقدمية، تُبدي مواقف أكثر نقدًا للسياسات الإسرائيلية، خصوصًا فيما يتعلق بالحروب في غزة ولبنان.
هذا التحول لا يعني انهيار الدعم الأمريكي لإسرائيل، لكنه يفرض قيودًا سياسية جديدة على صناع القرار في واشنطن، ويجعل الانحياز المطلق أقل قابلية للاستمرار دون حسابات داخلية.
سادسًا: هل تستطيع الولايات المتحدة السيطرة على سلوك إسرائيل؟
الإجابة هنا مركبة:
* نعم جزئيًا: تمتلك واشنطن أدوات ضغط قوية، تشمل الدعم العسكري، التمويل، والتغطية السياسية الدولية.
* لكن ليس بالكامل: إسرائيل، خاصة في ظل حكومات يمينية، أثبتت قدرتها على المناورة وحتى التمرد التكتيكي عندما ترى أن مصالحها الاستراتيجية مهددة.
بمعنى آخر، العلاقة بين الطرفين ليست علاقة تبعية مطلقة، بل شراكة غير متكافئة تسمح لإسرائيل بهامش حركة قد يحرج واشنطن أحيانًا.
سابعًا: سيناريوهات السلوك الإسرائيلي المتوقع لعرقلة الاتفاق
في حال اقتراب التوصل إلى اتفاق نهائي، من المرجح أن تلجأ إسرائيل إلى مجموعة من الأدوات لعرقلته أو تقويضه:
1. التصعيد العسكري المحدود
تنفيذ ضربات نوعية ضد أهداف إيرانية في سوريا أو لبنان، أو حتى عمليات سرية داخل إيران، بهدف دفع طهران للرد وإفشال أجواء التفاوض.
2. الاغتيالات والعمليات الأمنية
استهداف شخصيات مرتبطة بالبرنامج النووي أو العسكري الإيراني، لإعادة التوتر إلى الواجهة.
3. الضغط داخل الكونغرس
تحريك اللوبيات المؤيدة لإسرائيل لعرقلة الاتفاق أو فرض شروط إضافية عليه، خاصة في مجلسي الشيوخ والنواب.
4. تسريب معلومات استخباراتية
نشر معلومات حول أنشطة إيرانية سرية بهدف تقويض الثقة في نوايا طهران.
5. التهديد بخيارات عسكرية مستقلة
التلويح بشن ضربة عسكرية منفردة ضد إيران، لإجبار واشنطن على إعادة حساباتها.
6. توسيع جبهات التوتر الإقليمي
دفع نحو تصعيد في غزة أو جنوب لبنان لخلق بيئة إقليمية غير مستقرة تعرقل أي اتفاق.

خاتمة

في المحصلة، تبدو محاولات نتنياهو لتعطيل الاتفاق الأمريكي–الإيراني وكأنها دخلت مرحلة النتائج العكسية، حيث ساهمت في تسريع التفاهم بدلًا من عرقلته. وبين ضغوط الاقتصاد، والانتخابات، وتغير المزاج الشعبي، تجد واشنطن نفسها أكثر ميلاً للحسم.
لكن في المقابل، لن تقف إسرائيل مكتوفة الأيدي، بل ستلجأ إلى مروحة واسعة من الأدوات السياسية والأمنية والعسكرية لمحاولة تعطيل الاتفاق أو إفراغه من مضمونه.
وعليه، فإن المرحلة القادمة لن تكون مرحلة اتفاق فقط، بل مرحلة صراع خفي حول شكل هذا الاتفاق وحدوده—وهو صراع قد يكون أكثر تعقيدًا من الحرب نفسها.
د/دحان النجار ،ميشجان ٢٠٢٦/٦/١٥ م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى