ألم يأنِ الأوان أن تضع الحرب أوزارها في اليمن وتعود القوى السياسية إلى مرجعية الدستور والوحدة “طوق النجاة الأخير” ؟!

✍️ بقلم د / عبد العزيز البكير
في زمنٍ طحنت فيه المطامع السياسية والمكاسب الحزبية الضيقة معالم الدولة اليمنية، وضاق فيه الفضاء والنَفَس في بلدنا الحبيب، يبرز التساؤل المصيري الملحّ: ألم يأنِ الوقت بعد لتضع هذه الحرب الأوزار التي أثقلت كاهل الوطن؟
يعيش الشعب اليمني منذ ما يزيد عن إحدى عشرة سنة أسوأ أزمة إنسانية عرفها العالم المعاصر بشهادة التقارير الأممية؛ جراء فتنة الأحزاب، وداء المتحزبين، وتكالب الأطماع الإقليمية والدولية على موقع اليمن الاستراتيجي وثرواته المنهوبة. وفي المقابل، يواجه أبناء هذا الشعب العظيم هذا البلاء بـِجَلَدٍ، وصبرٍ، وإيمان لا يتزعزع بنصر الله للمظلومين والمنكوبين.
أولاً: التعددية السياسية في اليمن.. ولادة ديمقراطية بعقليات شمولية
عندما بزغ فجر الوحدة اليمنية المباركة في الثاني والعشرين من مايو 1990م، أعلنت الجمهورية اليمنية الوليدة عن تبني النهج الديمقراطي والتعددية السياسية كخيار حضاري جامع. إلا أن المعضلة الحقيقية التي واجهت هذا المشروع تمثلت في البنية الثقافية والاجتماعية المأزومة للقوى السياسية آنذاك، والتي كانت نتاج إرث شطري مشحون:
إرث الشطر الجنوبي: كان محكوماً بنظام الحزب الواحد الشمولي، وشعار “لا صوت يعلو فوق صوت الحزب”.
إرث الشطر الشمالي: كانت الحزبية فيه محرمة ومجرمة تحت شعار “الحزبية تبدأ بالتأثر وتنتهي بالعمالة”.
ومن وسط غياهب تلك المعاناة، وحقبة الحكم البوليسي والشمولية، اندفعت القوى والرموز لتأسيس أحزاب وتنظيمات سياسية جديدة. ورغم الشعارات البراقة التي رفعتها، إلا أن الكثير من هذه المكونات عجزت عن تشريب قواعدها قيمَ الحرية الحقيقية والمسؤولية الوطنية؛ وبدلاً من رعاية التجربة الديمقراطية الوليدة كمؤسسات وطنية جامعة تفيد اليمن أرضاً وإنساناً، حملت معها — للأسف — ثقافة الماضي التشطيري البغيض والمكر السياسي المقيت.
ثانياً: استغلال الديمقراطية كقوة معاكسة وتدمير المكتسبات
نظراً للموقع الديمغرافي والجغرافي الحساس لليمن في خاصرة دول النفط الوراثية — التي أزعجتها الظاهرة الديمقراطية ومجلس النواب وتعدد الصحف والضجيج الإعلامي — فقد أسهمت التدخلات الخارجية، الإقليمية والدولية، في تحويل سلاح الديمقراطية وحرية التعبير عبر أذرع محلية وأدوات سياسية وإعلامية رخيصة، إلى قوة معاكسة للهدم لا للبناء.
لقد استُخدمت التعددية لضرب الوحدة الوطنية في مهدها، وإفشال التجربة السياسية، وإدخال البلاد في أتون صراعات عبثية بعقلية الماضي. إن تلك العقلية وذلك التفكير هما اللذان سيّرا الفترة الانتقالية والأحزاب السياسية؛ حيث ظل الموروث الشطري وثقافة الانقلابات العسكرية والاغتيالات السياسية التي سادت قبل الوحدة للوصول إلى السلطة أو الخروج منها، موروثاً وثقافة متجذرة تعشعش في وعي وسلوك معظم الأحزاب، مما أدى في نهاية المطاف إلى تشظية الدولة، وتمزيق نسيجها الاجتماعي، وإفقار الشعب وتجويعه.
ثالثاً: الجحود السياسي والخروج عن الهدي الديني والوطني
إن تمترس القوى السياسية اليمنية اليوم وانقسامها، وإصرار كل طرف على أن “يغني على ليلاه وهواه” مصدقاً أوهامه بعيداً عن الشعب ومصالحه الحقيقية، يُعد جحوداً سياسياً وممارسة باطلة بكل المقاييس.
إن مصلحة الشعب الأمنية والاقتصادية هي أولى النعم التي أمتنّ الله بها على عباده، حيث قال في محكم كتابه:
{فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 3-4]
فالذهاب بالبلاد نحو الصراعات الدامية بعيداً عن مرجعية الشعب وقوانينه الجامعة — وهي (دستور الجمهورية اليمنية المستفتى عليه والمعترف به شعبياً ورسمياً، محلياً وإقليمياً دولياً) — هو خروج صريح عن أحكام الدستور والقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة التي تأمر بالاعتصام وتحذر من الشتات والوهن؛ قال تعالى:
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وكونوا عباد الله إخواناً». وحذر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم من الفتن التي تضرب نسيج الأمة وتُلبسها الوجوه المظلمة فقال: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»، وقال: «الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها».
رابعاً: دعوة للحوار واللين والعودة إلى الحق
لقد أمرنا المولى عز وجل بالحوار، واللين، والدفع بالحسنى، والابتعاد عن القسوة والاستبداد والفرعنة، فقال تعالى لموسى وهارون في خطابهما لطاغية زمانه:
{اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} [طه: 43-44]
وناموس القرآن الكريم ينهى عن احتكار الحقيقة والاستبداد بالرأي كما حكى عن فرعون: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ} [غافر: 29]، كما حذر سبحانه من فرح الأحزاب بتعصبها الأعمى وضلالها فقال: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53].
لذا، وبعد أن بلغ الظلم ذروته، وبلغ الجور الزُّبى، وطال الصراع حتى أجحف بكل مقومات الحياة لهذا الشعب الصابر المحتسب، فإننا نذكر الجميع بأن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، وأن مصالح الشعوب لا تُبنى على أنقاض الأوطان.
إنها دعوة صادقة مخلصة، تنبع من قلب يعتصر ألماً على وطن يضيع ويهوي في غيابات الفتن: آن الأوان للمتصارعين السياسيين أن يعيدوا حساباتهم الخاطئة بحق أنفسهم، وشعبهم، ودينهم.
يجب أن تُراجع المواقف، وتُصلح النفوس، وتُغسل القلوب وتُصفى من الأحقاد، والكراهية، ونرجسية “الأنا”، والتشيطن الحزبي المقيت. فالله أحق بالتقوى، والدنيا فانية، وكل نفس بما كسبت رهينة، وظلم العباد لا يضيع عند ديان السماوات والأرض، ولا ينتهي بالتقادم وطول السنين.. فالحوار والحل السلمي ربما يكفّر بعض تلك الذنوب.. فهل من مدّكر؟
وختامًا نقول لكم: #سنة_هجرية_سعيدة 1448هـ؛ نسأل الله تعالى أن يجعلها سنة خير وبركة، وأن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير لليمن واليمنيين وعموم المسلمين.
كل عام وأنتم بخير؛؛؛


