حين يتمرّد الحليف: إسرائيل في مواجهة اتفاق ترامب مع إيران

أ د / دحان النجار
واشنطن ليست صاحبة القرار وحدها
في واشنطن، لا تُصنع السياسة الخارجية داخل البيت الأبيض فقط، ولا تُحسم بالبيانات الرسمية أو الخطابات الرئاسية مهما بلغت حدتها، هناك طبقة أعمق من القرار تتحرك بصمت: شبكة نفوذ متداخلة من مؤسسات، ولجان، وتحالفات غير معلنة، تمتد من الكونغرس إلى الإعلام إلى مراكز الضغط السياسي، اليوم، تتجلى هذه الحقيقة في مواجهة غير مباشرة لكنها شديدة الوضوح بين إدارة دونالد ترامب وإسرائيل حول مسار اتفاق محتمل مع إيران، ليست المسألة خلافًا تقنيًا حول بنود تفاوضية، بل صراع إرادات بين منطقين متناقضين، منطق يسعى إلى “إدارة التهدئة”… ومنطق يرى أن أي تهدئة مع إيران تهديد استراتيجي مؤجل.
نتنياهو يعلنها بصيغة دبلوماسية… لكن المعنى أبعد من ذلك
تصريحات بنيامين نتنياهو، التي شدد فيها على أن الاتفاق “قرار أمريكي” وأن لإسرائيل “حساباتها الأمنية الخاصة”، تبدو في ظاهرها صياغة دبلوماسية محسوبة، لكنها في جوهرها تحمل رسالة سياسية أكثر حدة، إسرائيل لا تتعامل مع الاتفاق كالتزام ملزم، بل كحدث يمكن تجاوزه أو تعطيله إذا اقتضت الضرورة الأمنية، هذه ليست مجرد ملاحظة سياسية، بل إعلان ضمني بأن الاتفاق—حتى لو وُقّع—لن يُعامل كمرجعية نهائية للسلوك الإسرائيلي في الإقليم، وهنا يتحول الاتفاق من مشروع بين دولتين إلى ساحة اختبار داخل المعسكر الغربي نفسه.
واشنطن تحت الضغط: قرار الرئيس داخل قفص النفوذ
داخل الإدارة الأمريكية، لا يتحرك ملف إيران في فراغ. فكل خطوة تفاوضية تواجه طبقات متراكمة من الضغط السياسي:
الكونغرس الذي يراقب أي تنازل ، والإعلام الذي يعيد صياغة المخاطر بشكل دائم ، ومراكز النفوذ التي تعتبر إيران ملفًا مفتوحًا لا يُغلق، لكن ما يثير القلق الحقيقي ليس المعارضة التقليدية، بل تحول الضغط إلى بنية دائمة تعمل على إعادة تعريف “التهديد الإيراني” في كل مرحلة تفاوض، وفي لحظات كهذه، يصبح السؤال أكثر واقعية من أي وقت مضى، هل القرار في واشنطن يُصنع في البيت الأبيض… أم يُعاد تشكيله خارجه؟
إسرائيل: من الاعتراض إلى هندسة التعطيل
الموقف الإسرائيلي لا يقف عند حدود الاعتراض السياسي، بل يتحرك في مسار أكثر تعقيدًا: منع قيام الاتفاق عمليًا حتى لو تم توقيعه سياسيًا، وتظهر هذه الاستراتيجية عبر ثلاث دوائر متزامنة -رفع مستوى العمليات الأمنية والاستخباراتية في ساحات مرتبطة بإيران، وتوسيع هامش الاشتباك الإقليمي غير المباشر في سوريا ولبنان وغزة، وخلق بيئة إقليمية مضطربة تجعل أي التزام تفاوضي غير قابل للاستدامة. بهذا المعنى، لا تُراهن إسرائيل على إسقاط الاتفاق في لحظة واحدة، بل على تفريغه تدريجيًا من قيمته العملية.
اللوبيات في واشنطن: السياسة التي لا تظهر على الشاشة
داخل الولايات المتحدة، تتحرك منظومات ضغط تمتلك قدرة حقيقية على إعادة تشكيل الأولويات السياسية، ليس فقط في الكونغرس، بل في الإعلام وصناعة الرأي العام.
هذه المنظومات لا تعمل ضد اتفاق بعينه فقط، بل ضد الفكرة نفسها، فكرة أن إيران يمكن إدارتها عبر تسوية طويلة الأمد بدل إبقائها في حالة احتواء دائم، لكن ما يميز المرحلة الحالية هو أن هذا النفوذ لم يعد مطلقًا كما كان، فهناك تحولات تدريجية في المزاج السياسي الأمريكي، خصوصًا داخل الأجيال الشابة، باتت تشكك في كلفة الانخراط المفتوح في صراعات الشرق الأوسط، هذا التحول لا يصنع القرار اليوم، لكنه يضعف القاعدة الصلبة التي استندت إليها السياسات التقليدية لعقود.
السيناريوهات بعد الاتفاق: من التوقيع إلى اختبار القوة الفعلية
حتى في حال نجاح واشنطن وطهران في الوصول إلى اتفاق، فإن اللحظة الحقيقية تبدأ بعده مباشرة، فالاتفاق في حد ذاته ليس نهاية الصراع، بل إعادة توزيع له،وفي ضوء التباينات داخل واشنطن، والتصريحات الإسرائيلية التي تحمل رسائل رفض غير مباشر، يمكن قراءة المرحلة المقبلة عبر أربعة مسارات أكثر واقعية ووضوحًا:
1. اتفاق مُقيد بإحكام رقابي دائم
في هذا السيناريو، لا يُمنح الاتفاق فرصة التحول إلى “ثقة سياسية”، بل يُربط بآليات رقابة صارمة تشمل التفتيش المستمر، وإعادة فرض العقوبات تلقائيًا عند أي خرق. والنتيجة ليست سلامًا، بل احتواء مؤسسي طويل الأمد يجعل الاتفاق قابلًا للبقاء لكنه غير قابل للاسترخاء.
2. اتفاق سياسي بلا أثر استراتيجي حقيقي
يُعلن الاتفاق كإنجاز دبلوماسي، لكن التطبيق العملي يتآكل تدريجيًا تحت ضغط التفسيرات المتعارضة، فإيران تعتبره تخفيفًا للعقوبات، وواشنطن تتعامل معه بحذر مشروط، وإسرائيل تعمل على تقليص أثره الاقتصادي والأمني. وفي هذه الحالة، يتحول الاتفاق إلى إطار سياسي فارغ من القوة التنفيذية.
3. حرب ظل ممتدة تحت سقف الاتفاق
وهو السيناريو الأكثر واقعية في السياق الحالي، وحتى مع وجود اتفاق، يستمر الصراع عبر أدوات غير تقليدية، مثل عمليات سيبرانية متبادلة،واستهداف شبكات نفوذ خارج الحدود، وضربات محدودة في ساحات إقليمية حساسة، وتوترات بحرية في الممرات الاستراتيجية.
هنا لا يُقاس الاستقرار بوجود اتفاق، بل بقدرة الأطراف على منع انفجار شامل مع استمرار الاشتباك الجزئي.
4. تفريغ الاتفاق عبر الإقليم بدل إسقاطه في واشنطن
هذا السيناريو لا يعتمد على إسقاط الاتفاق سياسيًا، بل على جعله غير قابل للحياة عبر البيئة المحيطة به، أي أن التوتر يُنقل إلى ساحات متعددة:
لبنان عبر جبهة الشمال،وسوريا عبر الاشتباك غير المباشر، وغزة عبر التصعيد الدوري، والبحر الأحمر عبر الضغط على الملاحة. وفي هذه الحالة يصبح الاتفاق موجودًا على الورق، لكن مشلولًا في الجغرافيا السياسية.
الخاتمة: اتفاق يُولد في واشنطن… ويُختبر في الإقليم
ما يتشكل اليوم ليس مجرد مفاوضات حول إيران، بل إعادة تعريف لطبيعة القرار الأمريكي في الشرق الأوسط، نتنياهو لا يعترض فقط على تفاصيل اتفاق، بل على فكرة الاتفاق نفسها إذا لم تُنتج تفكيكًا استراتيجيًا كاملاً للقدرة الإيرانية، وواشنطن، في المقابل، تحاول تثبيت تسوية تمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. لكن بين هذين المسارين، تظهر معادلة أكثر تعقيدًا. الشرق الأوسط لم يعد ساحة تنفيذ للاتفاقات، بل ساحة اختبار لمدى قدرتها على البقاء، وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا يبدو أن السؤال هو: هل سيتم التوصل إلى اتفاق؟ بل، كم سيصمد هذا الاتفاق قبل أن تبدأ إعادة تفكيكه من الخارج؟
التريث والحذر في مستقبل الاتفاق يسبقا الإفراط في التفاؤل.
د/دحان النجار ،ميتشجان ١٦ يونيو ٢٠٢٦م



