بين مطرقة الكرملين وسندان الغرب: أين تقف جورجيا اليوم من الحرب الروسية الأوكرانية؟

 

 

✍️ أ د / دحان النجار

منذ اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا، تعيش جمهورية جورجيا، القابعة في قلب منطقة القوقاز الاستراتيجية، حالة من التوازن الجيوسياسي الأشبه بالسير على حبل مشدود. فبينما يشتعل الصراع في الشمال، تجد تبليسي نفسها أمام معادلة وجودية معقدة: كيف تستجيب للحرب وهي التي تدرك أكثر من غيرها مرارة “الوصفة الروسية”، وفي الوقت نفسه، كيف تتجنب إغضاب جارتها النووية الكبرى؟

يرصد هذا التقرير التحليلي تموضع جورجيا الحالي في المشهد الدولي، مستنداً إلى إرثها التاريخي المرير مع موسكو، ومستشرفاً سيناريوهات المستقبل القريب والبعيد.

1. الإرث المرير: دفع ثمن “طموح الناتو” مبكراً

لا يمكن فهم الموقف الجورجي الحالي دون العودة إلى عام 2008. جورجيا كانت “حقل التجارب” الأول للاستراتيجية الروسية الرامية لمنع تمدد حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الفضاء السوفيتي السابق.
•حرب الأيام الخمسة (2008): بعد قمة الناتو في بوخارست التي وعدت جورجيا وأوكرانيا بعضوية مستقبلية، شنت روسيا هجوماً عسكرياً خاطفاً على جورجيا.
• النتيجة والمأساة: خسرت تبليسي السيطرة الفعالة على 20% من أراضيها (إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا)، واللذين أعلنا “استقلالهما” بدعم وحماية عسكرية روسية مباشرة.
هذا الدرس القاسي جعل صانع القرار الجورجي يدرك مبكراً أن الوعود الغربية بالدعم قد لا تترجم إلى حماية عسكرية مباشرة على الأرض عند حدوث مواجهة شاملة مع موسكو.

2. أوراق الضغط الروسية: جبهة مكشوفة واقتصاد مخترق

بينما تمتلك روسيا أوراق ضغط عسكرية واقتصادية هائلة على أوكرانيا، فإن وضع جورجيا يبدو أكثر هشاشة بسبب صغر حجمها الجغرافي والديمغرافي. تمتلك موسكو أدوات ضغط مباشرة تشل حركة القرار الجورجي:
•الضغط العسكري والأمني: القوات الروسية تقف بالفعل داخل الحدود الجورجية المعترف بها دولياً (في أبخازيا وأوسيتيا)، ولا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن الطريق السريع الرئيسي الذي يربط شرق البلاد بغربها.
• السلاح الاقتصادي: تعتمد جورجيا بشكل كبير على تحويلات المغتربين الجورجيين من روسيا، والسياحة الروسية، والواردات النفطية والقمح الروسي.
•الحرب السيبرانية والهجرة العكسية: تدفق مئات الآلاف من المواطنين الروس إلى جورجيا بعد حرب 2022 شكل ورقة ضغط ديمغرافية واقتصادية مزدوجة.

3. أين تقف جورجيا اليوم؟ “الواقعية الحذرة” والانقسام الداخلي

تتبنى الحكومة الجورجية الحالية، بقيادة حزب “الحلم الجورجي”، سياسة “الواقعية البراغماتية” أو ما يصفه المعارضون بـ “الاستسلام المقنع”. ويمكن تلخيص الموقف الحالي في النقاط التالية:
•رفض فرض العقوبات: رفضت تبليسي الانضمام إلى العقوبات الاقتصادية الغربية ضد روسيا، مبررة ذلك بحماية اقتصادها ومواطنيها من الانهيار.
• الدعم الإنساني دون العسكري: قدمت جورجيا مساعدات إنسانية واسعة لأوكرانيا وصوتت لصالحها في الأمم المتحدة، لكنها رفضت تماماً تقديم أي دعم عسكري خشية أن تصبح “جبهة ثانية” للحرب.
•الشرخ الداخلي الفج: يعيش الشارع الجورجي انقساماً حاداً؛ فالشعب ذو النزعة الأوروبية الساحقة والشباب يخرجون في مظاهرات حاشدة تأييداً لأوكرانيا وضد القوانين المقيدة للحريات (مثل قانون “العملاء الأجانب”)، بينما تتمسك الحكومة بتهدئة موسكو لتجنب سيناريو تدمير أوكرانيا.

4. آفاق وسيناريوهات المستقبل: إلى أين تتجه العلاقة؟

تعتمد آفاق العلاقة بين تبليسي وموسكو على ميزان القوى في الحرب الأوكرانية، ومدى جدية الغرب في احتواء جورجيا.
أ. السيناريوهات على المدى القريب (1 – 3 سنوات):
•السيناريو الأول: استمرار “الوضع الراهن المائل نحو موسكو” (الأرجح):
أن تحافظ الحكومة الحالية على نبرة التهدئة مع روسيا، مما قد يؤدي إلى تجميد أعمق لملف انضمام جورجيا للاتحاد الأوروبي والناتو، وزيادة النفوذ الناعم لروسيا في السياسة الداخلية الجورجية.
•السيناريو الثاني: الانفجار الداخلي وتغيير السلطة:
أن تؤدي الضغوط الشعبية والمعارضة المدعومة غربياً إلى تغيير النظام الحاكم في الانتخابات أو عبر احتجاجات الشارع. هذا السيناريو سيعيد جورجيا إلى الصدام المباشر مع موسكو، وقد يدفع الأخيرة لتحريك ملفات أمنية في المناطق الانفصالية.
ب. السيناريوهات على المدى البعيد (ما بعد الحرب الأوكرانية):
•السيناريو المتفائل (انتصار أوكرانيا أو إضعاف روسيا):
إذا خرجت روسيا من الحرب مستنزفة ومجبرة على الانكفاء، سينفتح الباب مجدداً أمام جورجيا لاستعادة سيادتها كاملة، وتسريع اندماجها في الاتحاد الأوروبي والناتو، وربما فتح مفاوضات سلمية لاستعادة أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية من موقع قوة.
•السيناريو المتشائم (الهيمنة الروسية):
إذا نجحت روسيا في فرض شروطها في أوكرانيا، ستتحول جورجيا تلقائياً إلى “منطقة نفوذ خالصة” للكرملين. قد تفقد البلاد سيادتها الفعلية وتجبر على الانضمام إلى كيانات تديرها موسكو (مثل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي)، مما ينهي الحلم الجورجي بالاندماج الأوروبي العقود طويلة.
خلاصة :
تقف جورجيا اليوم في أصعب مربع سياسي منذ استقلالها؛ فهي جغرافياً تحت رحمة الدب الروسي، وتاريخياً مثقلة بالدماء والاحتلال، وعاطفياً وسياسياً تطمح لنيل هوية أوروبية كاملة. إن صمود أوكرانيا أو انكسارها هو الذي سيحدد في النهاية ما إذا كانت جورجيا ستنجح في العبور إلى ضفة الأمان الأوروبي، أم أنها ستظل رهينة جيوسياسية في الفناء الخلفي لموسكو.
د/دحان النجار ، ميشجان ١٧يونيو ٢٠٢٦م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى