هل ستُعيد الاحتجاجات داخل إيران رسم خرائط المفاوضات النووية؟

✍️ بقلم / د. مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي
هشاشة الموقف التفاوضي للنظام الإيراني في ظل الاضطراب الداخلي
في كواليس الدبلوماسية الدولية يُنظر إلى الملف النووي الإيراني غالباً من منظور تقني وأمني بحت؛ غير أن الربط بين تصاعد الحراكات الثورية في الداخل الإيراني وبين مسارات التفاوض مع القوى الدولية يكشف عن تأثير جيوسياسي متبادل، وتشير التقارير الدولية إلى أن النظام الإيراني يواجه معضلة مزدوجة؛ فبينما يسعى لاستخدام الورقة النووية كأداة لفك العزلة الاقتصادية وتخفيف وطأة العقوبات تساهم الاحتجاجات المستمرة في تقويض مشروعية المفاوض الإيراني على الطاولة الدولية.
إن استمرار اتساع رقعة المقاومة وفق مراقبين دوليين ليبعث برسالة للقوى الغربية بأن استقرار النظام الذي يعد شرطاً أساسياً لأي اتفاق طويل الأمد بات موضع شك.
تآكل “أوراق القوة المصطنعة” في الدبلوماسية النووية
تعتمد طهران في مفاوضاتها على التلويح بمبدأ “السيادة الوطنية” لمواجهة الضغوط الخارجية.. إلا أن تلاحم الداخل الإيراني ضد الاستبداد أدى إلى سحب الغطاء الأخلاقيعن هذا الخطاب، ومن منظور تحليل السياسات أدى ظهور قوى مقاومة منظمة ترفض النهج الثيوقراطي إلى جعل الحكومات الغربية أكثر حذراً في تقديم أي تنازلات قد تُفسر كـ “دعم للنظام” ضد شعبه.. هذا التحول يجعل من أي اتفاق نووي محتمل محفوفاً بالمخاطر السياسية للقادة الغربيين حيث أصبح عليهم الموازنة بين ضرورة كبح التسلح النووي وبين الاستجابة لـ مطالب التغيير الديمقراطيالتي ترفعها قوى المقاومة في الداخل الإيراني وفي التجمعات الدولية ومنها مسيرة باريس.
الاستراتيجية الأمنية.. الانشغال بالداخل وتأثيره على الملفات الإقليمية
يؤكد الخبراء في مراكز الرصد الاستراتيجي أن النظام الإيراني حين يواجه ضغطاً ميدانياً داخلياً متزايداً يميل غالباً إلى تعزيز قبضته الأمنية وتشتيت موارده.. هذا الاستنزاف الداخلي يؤثر بشكل مباشر على القدرة التنافسية للنظام في مفاوضاته حول الملفات الإقليمية والنووية.
إن الانكشاف الأمني الذي تخلقه المظاهرات والاحتجاجات يجعل من الصعب على ملالي إيران الحفاظ على توازنهم الاستراتيجي مما يضعهم في موقف دفاعي.. هذا الوضع يغير ديناميكيات المفاوضات؛ فبدلاً من أن يكون نظام الملالي في موقع “المبادر” الذي يفرض شروطه أصبح يجد نفسه في موقع “المحتوي للأزمات” وهو ما يمنح الأطراف الدولية مساحة أكبر لفرض اشتراطات أوسع لا تقتصر على الجوانب النووية فحسب.
تأثير “البديل الديمقراطي” على القناعات الغربية
برزت في الآونة الأخيرة تحليلات دولية تشير إلى أن القوى الكبرى بدأت تعيد النظر في فرضية “الاستقرار تحت حكم نظام الملالي”.. فبدلاً من الاعتماد على سياسة التهدئة تكتسب الرؤية التي تطرحها المقاومة الإيرانية والتي تدعو إلى قيام جمهورية ديمقراطية علمانية تكتسب زخماً متزايداً في أوساط صناع القرار.. وإن هذه الحراكات قدمت للعالم “بديلًا سياسيًا” متماسكًا مما جعل الملف النووي جزءًا من حزمة أوسع تشمل حقوق الإنسان والديمقراطية؛ هذا الارتباط يغير قواعد اللعبة، وقد أصبح الملف النووي غير قابل للفصل عن أزمة الشرعية السياسية التي يعاني منها النظام وهو ما يزيد من تعقيد وصول المفاوضات إلى نتائج ملموسة طالما بقي النظام متمسكاً بأساليب القمع.
حتمية التغيير كمطلب استراتيجي
إن تأثير الحراكات الشعبية على المفاوضات الدولية يثبت أن السياسة الخارجية لأي دولة هي انعكاس مباشر لاستقرارها الداخلي، وفي الحالة الإيرانية أصبحت المقاومة الميدانية عنصراً مؤهلاً ضاغطاً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة دولية.
إن النظام الذي يواجه انتفاضة مستمرة في شوارع مدنه لم يعد قادراً على المناورة دولياً بنفس القدر من الثقة، ومن ثم فإن أي تقدم في المفاوضات النووية دون مراعاة لتطلعات الشعب الإيراني في الحرية والتغيير يظل حلاً مؤقتاً وقاصراً، وإن المستقبل الإيراني وكذلك تأثيره على الاستقرار الإقليمي والدولي باتا مرتبطين بشكل وثيق بنجاح الشعب في فرض إرادته وتحويل مطالب التغيير من حراكٍ ميداني فاعل إلى واقع سياسي يُعد الأساس في إنهاء حقبة الانغلاق النووي والسياسي معاً.
د. مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي


