الحرب على أجساد النساء: العنف الجنسي سلاح صامت في السودان

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

في الحروب، تظهر أرقام القتلى والجرحى والنازحين على الشاشات يوميًا. لكن هناك أرقامًا أخرى لا تحظى بالاهتمام نفسه، رغم أنها تكشف جانبًا أكثر ظلمة من الصراع. ففي السودان، وبعد أكثر من عامين من الحرب، لم تعد المأساة تقتصر على المدن المحاصرة أو المجاعة أو النزوح الجماعي، بل امتدت إلى أجساد النساء والأطفال الذين تحولوا إلى ضحايا لعنف جنسي تصفه الأمم المتحدة بأنه واسع النطاق وممنهج في بعض المناطق.

وخلال الأيام الأخيرة، عاد المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إلى التحذير من التدهور الإنساني المتسارع في السودان، بينما تتوالى التقارير الأممية التي تؤكد أن العنف الجنسي أصبح أحد أكثر الأسلحة تدميرًا للنسيج الاجتماعي السوداني. ووفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، جرى توثيق ما لا يقل عن 368 حادثة عنف جنسي مرتبطة بالنزاع، شملت أكثر من 521 ضحية حتى منتصف عام 2025، مع تأكيد الأمم المتحدة أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير بسبب الخوف من الإبلاغ والوصمة الاجتماعية وانعدام الوصول إلى مناطق القتال.

لكن الصدمة الأكبر التي وردت حسب الأسوشيتد برس أن الضحايا ليسوا من النساء فقط. فقد حذرت اليونيسف من أن العنف الجنسي طال الأطفال أيضًا بصورة مروعة. وتشير البيانات التي جمعتها منظمات الحماية إلى توثيق 221 حالة اغتصاب لأطفال منذ بداية عام 2024، بينهم أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم عامًا واحدًا، كما شملت الانتهاكات فتيات وفتيانًا على حد سواء. وتقول المنظمة إن استخدام العنف الجنسي بات جزءًا من تكتيكات الحرب في بعض المناطق، سواء أثناء الهجمات على المدن أو خلال النزوح أو حتى داخل مراكز الاحتجاز..

وفي دارفور، التي تعيش واحدة من أسوأ مراحلها منذ سنوات، تتحدث منظمات إنسانية عن موجة غير مسبوقة من الاعتداءات. فقد أعلنت منظمة أطباء بلا حدود أنها عالجت 659 ناجية من العنف الجنسي في جنوب دارفور خلال ثلاثة أشهر فقط، فيما أكدت منظمات حقوقية أن النساء والفتيات يتعرضن للاعتداء أثناء الفرار من القتال أو أثناء البحث عن الغذاء والماء أو حتى داخل مخيمات النزوح. وتصف الأمم المتحدة هذه الممارسات بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية عندما تستخدم بصورة منهجية لترهيب المجتمعات والسيطرة عليها حسب ما أوردته صحيفة الغارديان.

ورد في تقارير الامم المتحدة ، تزداد خطورة المشهد لأن هذه الجرائم تحدث في بلد يعيش أكبر أزمة نزوح في العالم تقريبًا. فقد أُجبر ملايين السودانيين على ترك منازلهم، بينما أصبحت النساء والأطفال أكثر الفئات عرضة للاستغلال والعنف والاتجار بالبشر. كما أن أكثر من 80% من المرافق الصحية في المناطق المتضررة لم تعد تعمل بصورة طبيعية، ما يعني أن آلاف الضحايا لا يحصلون على العلاج أو الدعم النفسي أو الحماية القانونية اللازمة.

ولهذا لم تعد المأساة السودانية مجرد حرب بين جيشين أو صراع على السلطة. فخلف خطوط القتال تتشكل كارثة إنسانية أعمق، حيث تتحول أجساد النساء والأطفال إلى ساحات حرب أخرى لا تظهر على الخرائط العسكرية. وربما يكون أخطر ما في هذه المأساة أن آثارها لن تنتهي عندما تتوقف البنادق، لأن ندوب العنف الجنسي تبقى في المجتمعات والأسر والأجيال لسنوات طويلة بعد انتهاء الحروب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى