امل خضر تكتب : الخطر ليس في الفاسدين بل في الذين يحمونهم بالصمت

بقلم ✍️ امل خضر
سيدي صاحب الجلالة الخطر اليوم ليس في وجود فاسد هنا أو متنفذ هناك، فكل دول العالم تواجه مثل هذه التحديات. الخطر الحقيقي أن يبدأ المواطن بالاعتقاد أن الواسطة أصبحت أقوى من القانون وأن النفوذ أسرع من العدالة وأن بعض الأبواب لا تُفتح بالمؤهلات بل بالمفاتيح الخفية التي لا يملكها إلا قلة من الناس.
عندما يفقد الإنسان ثقته بعدالة الفرصة فإنه لا يغضب من وظيفة خسرها فحسب بل يغضب من وطن كان يحلم أن يكون فيه الجهد طريق النجاح الوحيد. وحين يشعر الشاب أن سنوات الدراسة والتعب يمكن أن تهزمها مكالمة هاتف أو توصية أو علاقة شخصية فإننا لا نرتكب ظلمًا بحق فرد بل نرتكب جريمة بحق مستقبل وطن كامل.
إن الفساد لا يسرق المال فقط بل يسرق الإيمان. يسرق قناعة الناس بأن العدالة موجودة وأن التعب له قيمة وأن القانون يقف على مسافة واحدة من الجميع. وحين تُسرق هذه القناعة تصبح الخسارة أكبر من أي رقم وأخطر من أي ملف.
والمؤلم أن بعض المسؤولين قد يكونون ضحايا لمن حولهم قبل أن يكونوا شركاء في الخطأ. فكم من مسؤول حُجبت عنه الحقيقة؟ وكم من قرار بُني على تقارير ناقصة أو كيدية؟ وكم من صاحب كفاءة أُبعد لأن شخصًا في الظل قرر ذلك؟ فالمشكلة ليست دائمًا في صاحب القرار بل أحيانًا فيمن يحتكر الوصول إليه ويقدم له الواقع كما يخدم مصالحه لا كما هو على حقيقته.
لقد أصبح الناس يرددون عبارة خطيرة في بعض المؤسسات يوجد وزير بقرار رسمي ووزير آخر بلا قرار أحدهما يجلس على الكرسي والآخر يجلس على مفاتيح الوصول إليه. أحدهما يوقع والآخر يقرر من يصل ومن يُقصى ومن يُسمع ومن يُحجب صوته. وإن صحت هذه الصورة في أي مؤسسة فهذه ليست مشكلة إدارية فحسب بل خطر على هيبة الدولة نفسها.
يا سيدي، المواطن الأردني لم يعد يبحث عن امتيازات استثنائية، ولا يطلب المستحيل ولا ينتظر معجزات. كل ما يريده أن يشعر أن حقه لا يحتاج إلى واسطة وأن مستقبله لا يحدده مزاج شخص وأن رزقه لا يُقطع بتقرير كيدي وأن القانون أقوى من العلاقات وأن الدولة أقرب إليه من أصحاب النفوذ.
فالأوطان لا تسقط حين ينتشر الفساد بل حين يقتنع الشرفاء أن لا جدوى من مقاومته. ولا تنهار المؤسسات بسبب النقد بل بسبب الصمت عن الأخطاء حتى تتحول إلى ثقافة. ولا يخسر الوطن حين يتحدث الناس عن وجعهم بل حين يتوقفون عن الإيمان بأن أحدًا يسمع ذلك الوجع.
سيدي صاحب الجلالة
ما زال الأردنيون يثقون بك ويؤمنون أن رؤيتك لدولة الكفاءة والعدالة ليست شعارًا بل مشروع دولة. لكن بين الرؤية والتنفيذ مسافة لا يقطعها إلا رجال يؤمنون أن المنصب تكليف لا تشريف وأن المسؤولية أمانة سيُسألون عنها أمام الله قبل أن يُسألوا عنها أمام الناس.
فالتاريخ لا يتذكر عدد المناصب التي شغلها المسؤولون بل يتذكر كم مظلومًا أنصفوا وكم حقًا أعادوا وكم بابًا فتحوا للكفاءات، وكم فاسدًا أوقفوا عند حده.
وصدق الله العظيم “وتلك الأيام نداولها بين الناس”.
فالمناصب راحلة، والنفوذ زائل، أما أثر العدل فيبقى، وأثر الظلم يبقى معه أيضًا.



