{ حلل يا فلاح حل المجلس }

 

بقلم / ✍️ بسمة العواملة

ما اشبه اليوم بالبارحة ، يبدو أن هناك شبه كبير بين احداث الأمس و اليوم فكثير من الاحداث النيابية التي عصفت بالحياة السياسة على الساحة الأردنية شهدنها بالماضي بشكل او بآخر ، وما يجري بالاونة الأخيرة ليس بجديد ، فقد كان للمجالس النيابية الأردنية صولات و جولات و إخفاقات ايضاً شهدتها البلاد عبر تاريخ الدولة الأردنية ، من خلال اقرار المجالس لقوانين لم تلقى القبول الشعبي ، و احدثت ما يشبه حالة من الصدام والرفض الشعبي ليس فقط لمشروع القانون و انما امتدت هذه المطالبات الشعبية لحل البرلمان و تعالت كثير من الأصوات المطالبة برحيله ايضاً ، ومن ان الاسباب الموجبه لحله قد باتت متوافره اكثر من اي وقت مضى

وهذا كما قلنا ليست بجديد ، فما زلنا نستذكر ما جرى بإحدى السنوات قبل عقد من الزمن عندما استفاق الشعب الأردني على خبر مفاده انه مجلس الأمة بشقيه ( النواب و الأعيان ) قد اجمع على مقترح مشروع يمنح لهم مكتسبات شخصية بحته و بموجب هذا القانون يتم اكتساب عضو البرلمان حقاً بالمعاش التقاعدي ، متى بلغت مدة خدمته بالدولة الأردنية سبع سنوات و اكثر ، على أن يحسب هذا المعاش او التقاعد على اساس الراتب الأساسي للوزير ، وفور صدور هذا المقترح قامت قيامة الشعب الأردني في ذلك الحين ، وتعرض البرلمان انذاك لانتقادات شعبية لاذعة و غاضبة ، بسبب ما اعتبره الكثيرون من أن المقترح يمثل حالة من تكريس نهج تعزيز المكتسبات الشخصية للنواب و التي تتعارض مع الدستور و تصطدم مع فكرة النيابة التي تقوم على خدمة الوطن والمواطن معاً.

ويبدو ان حالة من الاحتقان الشعبي قد رافقت مقترح قانون التقاعد انذاك ، وبلغ حد الغضب الشعبي مبلغاً ، بحيث تعالت الأصوات مطالبةً بحل البرلمان كونه لم يعد يحوز على الثقة الشعبية و امتدّت المطالبات الشعبية بضرورة اجراء إصلاحات شاملة ومحاربة الفساد بشكل جدّي ، و تلقى البرلمان كثير من الانتقادات اللاذعة انذاك ، بحيث تم وصف المجلس بانه مجلس فاقد للثقة و سقط شعبياً و بالتالي توافرت الاسباب الموجبة لحله وقد كان .

ولم يطول هذا الغضب و الاحتقان الشعبي كثيراً ، وكما دوماً جاء رد جلالة الملك ليصب في مصلحة المواطن و إنصافه شكل انتصاراً للإرادة الشعبية ، بحيث قرر جلالته آنذاك رد القانون موجهاً رسالة لرئيس وزرائه في ذلك الحين الدكتور عبدالله النسور ، بما مضمونه أن الجدل الذي صاحب مشروع القانون ، يشير و بشكل جلي الى احتمالية وجود شبهة دستورية حوله ، مما يتعين معه في ظل هذا الجدل ، أن تتوجه الحكومة للمحكمة الدستورية ، لأجل البت في هذا الأمر.

وقد جاء رد جلالة الملك مشفوعاً بالاسباب التي أوردها جلالته في الرسالة الملكية ، استناداً للمادة (93) بموجب الفقرة الثالثة من الدستور والتي تنص على انه
” اذا لم ير الملك التصديق على القانون فله في غضون ستة اشهر من تاريخ رفعه اليه ان يرده الى المجلس مشفوعاً ببيان اسباب عدم التصديق”

وقد جاء رد جلالته برد القانون و عدم التصديق عليه واضحاً جلياً و في معرض بيانه للأسباب التي اشار اليها جلالته ومشدداً على أن المصلحة العامة فوق اي اعتبار و اعتبر انه لا ولن يسمح بالمساس بهذه المصلحة الوطنية بغض النظر عن الاسباب و المبررات .

ولم تكن تلك هي المرة الاولى و لا الاخيرة التي ينتصر فيها ملك البلاد للإرادة الشعبية ، فما زلنا نذكر سنة 2020. عندما اجتاح فيروس كورونا البلاد و العباد ، وكيف اقتضت الظروف التي واكبت انتشار الفيروس ظروفاً استثنائية استوجبت إعلان العمل بقانون الدفاع ليسهل التعامل مع التحديات الصحية و مواجهة تبعاتها ، وقد وجه جلالة الملك حكومتك انذاك الممثلة بالدكتور عمر الرزاز إلى ضرورة تطبيق قانون الدفاع و الأوامر الصادرة بمقتضاه بأضيق نطاق ممكن ، بحيث لا يمس حقوق الأردنيين المدنية و السياسة ، و ان يتم الحفاظ على هذه الحريات و ما يتعلق بها من الحق في التعبير ، هذا الحق الذي كفله الدستور في اطار القوانين النافذة ، و الاهم هو ضمان احترام المليات الخاصة للمواطنين ، سواء كانت اموالاً منقولة و غير منقولة او كانت عقارات ثابته .

وقد اكد سيد البلاد في توجيهاته من أن الهدف من هذا القانون الاستثنائي هو وسيلة او اداة لحماية صحة المواطنين ، و الارتقاء بمستوى الخدمات لمواجهة هذا الظرف الاستثنائي، فجاءت توجيهات جلالته واضحة من ان الهدف دائماً و ابداً لاي مؤسسة وطنية هو تحقيق مصلحة المواطن و صون حقوقه و عدم المساس بها ، و لم يوجه جلالته يوماً بعكس ذلك

فقد كانت مصلحة المواطن الأردني و حقه في حماية ممتلكاته هو الحق المحمي دوماً بالدستور و القانون ، فكيف بمجلس النواب ان يأتي ويضرب بعرض الحائط بكل هذه التوجيهات الملكية ، و يقر قانون الملكية العقارية المرفوض شعبياً ، القانون الذي يشوبه عوار دستوري و مخالفات قانونية واضحة للعيان ، و ينتهك بشكل صارخ مبدأ قانوني مهم إلا وهو مبدأ الفصل بين السلطات و يخالف ايضاً الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هذه الوثيقة التاريخية الهامة الموقّع عليها من الدولة الأردنية و هي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و قد أعلنت هذه الوثيقة حقوقاً غير قابلة للتصرف، بحيث اقرت فيه بانه يحق لكل شخص أن يتمتع بها كإنسان

ففي المادة (17) من الإعلان والتي تعد من أهم النصوص الدولية التي كرست حماية الملكية الخاصة و التي تنص على أن

لكل شخص حق في التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره و لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً

وجاء التفسير القانوني لهذه الماده بان الإعلان العالمي كرس مبدأين أساسيي الاعتراف بحق الملكية الخاصة، حيث يثبت لكل شخص، طبيعيًا كان أو اعتباريًا وفقاً للقانون، حق امتلاك الأموال والمنقولات والعقارات، سواء بصورة فردية أو بالاشتراك مع غيره.

و ورد حظر الحرمان التعسفي من الملكية، فلا يجوز للدولة أو لأي سلطة عامة نزع ملكية الأفراد أو تقييدها بصورة تعسفية أو غير مشروعة ، ويُفهم من ذلك أن نزع الملكية قد يكون جائزاً إذا استند إلى قانون نافذ ، و تحقيق منفعة عامة حقيقية ، و احترام الإجراءات القانونية ،. وايضاً مراعاة الضمانات المقررة لحماية حقوق الأفراد، ومن أبرز هذه الضمانات هو التعويض العادل.

و التفاصيل كثيرة و لا يتسع لها هذا المقال .
ولكن ما اود قوله انه عندما يقر المجلس قانوناً رغم كل المطالبات الشعبية بعدم اقراره و التريث في دراسته كونه يتقاطع من موضوع السيادة الوطنية و الامن الغذائي الذي شدد عليه ملك البلاد في اكثر من مناسبة مؤكداً على ضرورة
اعتبار الأمن الغذائي أولوية وطنية وعالمية وربطه مباشرة بالاستقرار والاقتصاد والكرامة الانسانيه
كذلك اكد جلالته على أهمية تعزيز مساهمة الصناعات الغذائية في الاقتصاد الوطني لأنها مهمة لتحقيق الأمن الغذائي للأردن، وتوفير فرص العمل وزيادة الصادرات.

وفي ذات السياق طالب بتسريع الجهود والتعاون لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي، وإقرار نظام المجلس الأعلى للأمن الغذائي، وتحديد مهام واضحة ومؤشرات اداء، تهدف لتحقيق الأمن الغذائي على المستوى الوطني والأسري وتعزيز الوصول للغذاء، مؤكدا على أهمية أن يصبح الأردن مركزاً إقليمياً للأمن الغذائي في تحويل النظام الزراعي الغذائي الأردني ليكون أكثر كفاءة وشمولاً ومرونة واستدامة.

وهنا يبرز التساؤل، الم يبحث مجلس النواب في كل هذه النقاط التي تطرق اليها جلالته في موضوع الامن الغذائي و الذي تعتبر اراضي الأغوار هي محور هذا الامن للشعب الأردني ؟؟

الموضوع متشعب و لكن الامر المؤكد ان شريحة كبيرة من الشعب الأردني فقدت ثقتها بالمجلس الذي ضرب بعرض الحائط كل المناشدات و المطالبات الشعبية بضرورة التريث و التأني باقرار القانون، و اعطاءه مزيد من الوقت بالدراسة و البحث في تداعياته و نتائجة ، ولكن في ظل شبه التوافق و الإجماع النيابي الذي شهدناه و هذا التعنت الذي ابدأه معظم الاعضاء ورغم علمهم بانعدام الرضى الشعبي عن اقرار هذا القانون ،
لم يبقى امام الشعب الأردني إلا عرض مظلمته لقائد البلاد الذي كان دوماً نصيراً للإرادة الشعبية بما يملك جلالته من صلاحيات دستورية لرد هذا القانون لاعادة الامور لمسارها الصحيح ، و لكون هذا المجلس فقد شعبيته فلربما اصبح حله مطلباً شعبياً
فالمجلس الذي لا يتوافق مع الارادة الشعبية حله هو الحل ، من باب آخر الدواء الكي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى