الوفاء لرجالات الدولة الوطنية… ذاكرة الجمهورية من التأسيس إلى اليوم

تونس – عين اخبار الوطن
إن بناء الأوطان لا يكون فقط عبر القوانين والمؤسسات، بل أيضًا عبر الرجال والنساء الذين حملوا مسؤولية الدولة في مراحلها المختلفة، وآمنوا بأن خدمة الوطن أمانة تتجاوز الأشخاص والمصالح الضيقة. ومن هنا يأتي الوفاء لرجالات الدولة الوطنية باعتباره وفاءً لتاريخ الجمهورية وذاكرتها ومسيرتها.
منذ مرحلة التأسيس، عرفت تونس شخصيات وطنية ساهمت في بناء مؤسسات الدولة الحديثة، وترسيخ مفهوم السيادة الوطنية، وإرساء مقومات الإدارة والجيش والأمن والقضاء والتعليم وغيرها من القطاعات التي تشكل أعمدة الدولة. وقد عملت أجيال متعاقبة في ظروف مختلفة، بين تحديات البناء وصعوبات التحولات، واضعة مصلحة الوطن فوق الاعتبارات الشخصية.
إن احترام رجالات الدولة لا يعني غياب النقد أو اختلاف التقييم، فالتاريخ بطبيعته مجال للنقاش والبحث، لكن الإنصاف يفرض قراءة مسارات الرجال ضمن سياقاتها السياسية والاجتماعية والأمنية، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة والتوظيف الظرفي. فالدولة القوية هي التي تحافظ على ذاكرتها، وتعرف كيف تكرّم من خدموا مؤسساتها، وفي الوقت نفسه تستخلص العبر من التجارب السابقة.
لقد كان مفهوم الدولة الوطنية في تونس قائمًا على فكرة أساسية: أن المؤسسات هي الباقية، وأن الأشخاص مهما كانت مواقعهم هم جزء من مسيرة وطنية أكبر. لذلك فإن الوفاء لا يكون للأسماء فقط، بل للقيم التي حملها رجال الدولة: الانضباط، المسؤولية، حماية السيادة، واحترام القانون.
وفي هذا السياق، يبقى الحديث عن الشخصيات التي تحملت مسؤوليات عليا، ومن بينها رجال المؤسسة الأمنية والعسكرية، مرتبطًا بضرورة الحفاظ على صورة الدولة وهيبتها، مع التأكيد على أن التاريخ وحده، المدعوم بالحقائق والوثائق، قادر على تقديم التقييم العادل.
إن تونس اليوم بحاجة إلى مصالحة مع ذاكرتها الوطنية، وإلى خطاب يجمع ولا يفرق، يكرّم من خدموا الوطن، ويضع التجارب السابقة في إطارها الصحيح، لأن الأمم التي تحترم رجال دولتها وتقرأ تاريخها بوعي هي أمم قادرة على بناء مستقبلها بثقة.
فالوفاء لرجالات الدولة الوطنية من التأسيس إلى اليوم ليس دفاعًا عن أفراد، بل دفاع عن فكرة الدولة، وعن الجمهورية، وعن تونس التي تبقى فوق الجميع.
الأستاذ حازم القصوري
محام وناشط دولي



