تحالف مكة ينتقل من الورق إلى الميدان

 

 

نيويورك – زينة بلقاسم – الأمم المتحدة

 

أهم تطور جيوسياسي في الشرق الأوسط خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية ليس مجرد تقدم عسكري جديد في اليمن، بل انتقال «تحالف مكة للدفاع» من اتفاق سياسي إلى ترتيبات عسكرية قابلة للتنفيذ. ففي مساء 5 أكتوبر عقدت السعودية وباكستان وتركيا اجتماعاً طارئاً للجنة السياسية والاستراتيجية والدفاعية للتحالف في الرياض، وأعلنت الدول الثلاث «الانتقال فوراً إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع الجماعي» واتخاذ التدابير اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها وضمان انتشارها السريع في المملكة. البيان المشترك المنشور رسمياً من وزارة الخارجية الباكستانية أكد أيضاً أن أمن كل دولة من الدول الثلاث جزء من الأمن الجماعي للثلاث، وأن الهدف هو رفع الجاهزية والتكامل العسكري والقدرة المشتركة على ردع التهديدات. كما عُيّن الفريق الباكستاني المتقاعد نعمان محمود أول أمين عام للتحالف لمدة ثلاث سنوات. هذه هي المرة الأولى التي ينتقل فيها الاتفاق، الموقع في مكة في 7 أغسطس 2026، إلى مرحلة انتشار عسكري معلنة، أي بعد أقل من شهرين على تأسيسه.

جاء القرار بعد تحول حرب اليمن في أيام قليلة من صراع داخلي متجدد إلى تهديد مباشر للأراضي السعودية ولطرق التجارة الدولية. وكالة الأنباء السعودية قالت في 5 أكتوبر إن الرياض تعرضت لمحاولات استهداف طالت مكة والمدينة والرياض وأبها وخميس مشيط وجازان ونجران والطائف وينبع، إضافة إلى سفن سعودية في جنوب البحر الأحمر وباب المندب. وبعد منتصف ليل 6 أكتوبر أعلنت قيادة التحالف أن قوات بحرية نفذت عملية في الحديدة دمرت، وفق الرواية السعودية الرسمية، مخازن أسلحة وزوارق مفخخة وألغاماً بحرية كانت معدة لهجمات على طرق الملاحة، ثم أعلنت لاحقاً تدمير منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية في صنعاء ومستودع في صعدة قالت إنه احتوى 20 صاروخاً باليستياً. هذه بيانات عسكرية صادرة عن طرف مشارك في الحرب ولم تخضع كلها للتحقق المستقل، لكنها تؤكد أن السعودية انتقلت من الدفاع عن أراضيها إلى عمليات جوية وبحرية موسعة داخل اليمن.

وفي الميدان اليمني حدث تغيير موازٍ في 5 أكتوبر. فقد أفادت رويترز بأن القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والمدعومة بضربات جوية سعودية كثيفة، نفذت تقدماً سريعاً على ساحل البحر الأحمر واستعادت معظم المناطق التي كان الحوثيون قد سيطروا عليها الشهر الماضي حول باب المندب، ووصلت إلى محيط المخا. وقال وزير الإعلام اليمني إن القوات أصبحت تملك «سيطرة فعلية» على المضيق بعد الاستيلاء على مواقع في ذباب، لكن رويترز أكدت أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من حجم المكاسب، فيما نفى الحوثيون الرواية الحكومية. ووفق أسوشيتد برس ووول ستريت جورنال شاركت أكثر من 100 طائرة مقاتلة سعودية في الحملة الجوية، بينما قالت الحكومة اليمنية إن العملية تستهدف في نهايتها استعادة مؤسسات الدولة والأراضي الواقعة تحت سيطرة الحوثيين. ولذلك يجب التمييز بين الحقيقة المثبتة، وهي وقوع هجوم واسع وتقدم للقوات الحكومية، وبين الادعاء بأن المعركة على باب المندب قد حُسمت نهائياً، وهو أمر لم يُثبت بعد.

أهمية ما حدث تظهر بوضوح عند وضع باب المندب إلى جانب هرمز. فوفق أحدث تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، ارتفع مرور النفط والمنتجات البترولية عبر باب المندب من نحو 5.6 ملايين برميل يومياً في الربع الأول من 2026 إلى 8.1 ملايين في الربع الثاني، أي زيادة تقارب 45%، في الوقت الذي هبط فيه المرور عبر مضيق هرمز من 14.9 إلى 4.9 ملايين برميل يومياً. وهذا يعني أن البحر الأحمر وباب المندب تحولا عملياً إلى جزء من شبكة التعويض عن اضطراب هرمز. ولذلك فإن سيطرة قوة معادية للسعودية على جانبي الممر أو امتلاكها قدرة مستمرة على تهديد السفن لا تمثل مشكلة يمنية فقط: إنها تهدد الطريق البديل الذي تعتمد عليه السعودية والأسواق العالمية جزئياً عندما يضطرب الخليج. للمقارنة، كان باب المندب يحمل نحو 9.3 ملايين برميل يومياً في 2023 قبل اضطرابات البحر الأحمر، ثم انخفض إلى 4.1 ملايين في 2024؛ أي إن الحرب تعيد منذ سنوات رسم خريطة الشحن العالمية حول هذا الممر.

الجديد استراتيجياً هو أن السعودية لا تواجه هذا التحدي بمفردها. باكستان وتركيا وافقتا رسمياً على توفير «القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها» ونشرها سريعاً داخل المملكة. لكن البيان لم يعلن عدد القوات ولا أنواع الأسلحة ولا قواعد الاشتباك، ولذلك لا توجد حتى الآن قاعدة موثوقة للقول إن قوات باكستانية أو تركية ستدخل اليمن أو تشارك مباشرة في الهجوم على الحوثيين. ما ثبت هو نشر قدرات دفاعية داخل السعودية؛ أما شكل المشاركة الهجومية، إن حدث، فلا يزال غير معلن. وهذا الفارق جوهري، لأن الانتشار الدفاعي يعني بناء مظلة ردع مشتركة، بينما المشاركة في عمليات داخل اليمن ستحول التحالف الثلاثي إلى طرف مباشر في الحرب.

ومع ذلك، فإن التركيبة نفسها تحمل دلالة تتجاوز اليمن. السعودية تضيف إلى ثقلها المالي والجغرافي قوة عسكرية باكستانية ذات خبرة كبيرة ودولة تمتلك السلاح النووي، وقوة تركية تمتلك واحداً من أكبر جيوش حلف شمال الأطلسي وصناعة متطورة في المسيّرات والصواريخ والسفن والأنظمة الإلكترونية. لكن من الضروري تجنب استنتاج شائع: لا يوجد في الوثائق المنشورة ما يثبت أن المظلة النووية الباكستانية أصبحت جزءاً من التحالف. كذلك فإن مشاركة تركيا لا تعني أن «الناتو» أصبح طرفاً في الدفاع عن السعودية؛ فالنص الرسمي لمعاهدة شمال الأطلسي يحدد في مادته السادسة النطاق الجغرافي لتطبيق المادة الخامسة، ولا يشمل الأراضي السعودية. أي أن القوات التركية التي تنتشر في المملكة تعمل بموجب الاتفاق الثلاثي والقرار التركي، وليس بموجب التزام تلقائي من الحلف الأطلسي.

وهنا تظهر زاوية أطلسية أكثر دقة. تركيا لا تغادر منظومة الناتو لكي تدخل ترتيبات أمنية شرق أوسطية، بل تضيف شبكة ثانية إلى عضويتها الأطلسية. وهذا نموذج مهم لما يحدث في النظام الدولي الأوسع: الدول لم تعد تكتفي بتحالف أمني واحد. أنقرة قادرة على البقاء داخل الناتو وفي الوقت نفسه إنشاء آلية دفاع جماعي مع الرياض وإسلام آباد؛ وباكستان تستطيع المشاركة في ردع الحوثيين بينما تحافظ على قنوات مع إيران؛ والسعودية تستطيع تأسيس تحالف إقليمي جديد مع استمرار شراكتها العسكرية العميقة مع الولايات المتحدة. وقد قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في 5 أكتوبر إن واشنطن ستفي باتفاقها الدفاعي والأمني مع الرياض، فيما ذكرت وول ستريت جورنال أن الدعم الأميركي للحملة اليمنية ما يزال يتركز أساساً على الاستخبارات والتخطيط وليس على مشاركة قتالية أميركية مباشرة. إذاً، «تحالف مكة» لا يحل محل واشنطن في المرحلة الحالية؛ بل يضيف طبقة إقليمية من الردع فوق المظلة الأميركية.

بالنسبة إلى إيران، الحساب أكثر تعقيداً. الاتفاق الثلاثي قُدم عند توقيعه باعتباره دفاعياً وغير موجه رسمياً ضد دولة بعينها، بل قالت باكستان إنه يمكن أن يكون مفتوحاً لدول أخرى تتبنى مبادئه. لكن تفعيله للمرة الأولى جاء عملياً بسبب هجمات الحوثيين، الحليف الإقليمي لطهران، وفي وقت تخوض فيه إيران مواجهة أوسع مع الولايات المتحدة وإسرائيل. لذلك سيُقرأ في طهران على الأرجح باعتباره تضييقاً إضافياً على قدرة شبكتها الإقليمية على استخدام اليمن لفرض كلفة استراتيجية على الخليج. لكن مهاجمة قوات باكستانية أو تركية داخل السعودية يمكن أن تكون مخاطرة أكبر بكثير من مواجهة الرياض وحدها؛ لأنها قد تحول الصراع من مواجهة سعودية-حوثية إلى أزمة تشمل ثلاث دول إسلامية كبيرة تربط اثنتين منها بطهران قنوات سياسية واقتصادية لا ترغب بالضرورة في خسارتها. ومن هنا قد ينجح الانتشار في رفع عتبة الردع، لكنه قد يرفع أيضاً كلفة أي خطأ في الحسابات.

اقتصادياً، لم تدخل الأسواق حتى الآن مرحلة الذعر. فقد أغلقت عقود خام برنت في 5 أكتوبر منخفضة بنحو 1.9% عند 100.32 دولار للبرميل، ووصل السعر في الساعات الأولى من 6 أكتوبر إلى قرابة 100.28 دولار، بحسب رويترز. السبب أن صادرات الخام من الشرق الأوسط تجاوزت مستويات ما قبل الحرب في أربعة أيام من الأسبوع الأخير من سبتمبر، بالتزامن مع قرار مجموعة السبع إتاحة 100 مليون برميل من الخام والديزل من مخزونات الطوارئ. لكن انخفاض السعر لا يعني انخفاض المخاطرة الجيوسياسية: السوق تراهن مؤقتاً على وصول البراميل، فيما معركة باب المندب تستهدف إحدى الطرق التي سمحت أصلاً باستمرار وصولها. أي أن السعر الحالي يحمل مفارقة واضحة: الإمدادات الفعلية تتحسن، لكن المخاطر العسكرية التي تحيط بمساراتها تتزايد.

وثمة ثمن يمني أثقل بكثير من أسعار الأسواق. كانت منظمة الصحة العالمية قد أحصت حتى 18 سبتمبر 3,672 قتيلاً وجريحاً في موجة التصعيد السابقة، منهم 674 قتيلاً، وأكثر من 122 ألف نازح، فيما تشير تقديرات أحدث نقلتها أسوشيتد برس إلى أن النزوح تجاوز 174 ألف شخص. وتقول خطة الأمم المتحدة الإنسانية لعام 2026 إن أكثر من 22 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات، و18.3 مليوناً يعانون انعداماً حاداً للأمن الغذائي، فيما لا تعمل بصورة كاملة سوى نحو 59% من المنشآت الصحية. أما صندوق النقد الدولي فيتوقع انكماش الاقتصاد اليمني للعام الخامس على التوالي بنحو 1.5% خلال 2026 في أحدث تقديراته الصادرة في يوليو، مع اعتماد شديد على التحويلات والدعم الخارجي. وهذه الأرقام تعني أن أي محاولة لتحقيق حسم عسكري طويل قد تنتج انتصاراً تكتيكياً في الساحل مقابل تكلفة اقتصادية وإنسانية قادرة على تفجير أزمات جديدة داخل اليمن نفسه.

أما التحليل الأوسع، فإن ما حدث في 5 أكتوبر قد يكون أهم من نتيجة المعركة الحالية في ذباب أو المخا. الخليج عاش منذ نهاية الحرب الباردة ضمن بنية أمنية تعتمد بدرجة كبيرة على القوة الأميركية. أما «تحالف مكة» فيمثل محاولة لبناء قدرة ردع إقليمية موازية لا تلغي الولايات المتحدة ولكن تقلل احتكارها لوظيفة الأمن: رأس المال والموقع السعودي، القوة العسكرية والصناعة الدفاعية التركية، والخبرة والقدرات الاستراتيجية الباكستانية. وإذا تطور هذا النموذج إلى قيادة مشتركة، دفاع جوي وصاروخي متكامل، تبادل استخباراتي دائم، وتمركز مسبق للقوات، فسيكون الشرق الأوسط أمام بداية هندسة أمنية مختلفة عن نموذج التحالفات الثنائية الذي ساد لعقود.

تبقى ثلاثة سيناريوهات. الأول، والأقل كلفة، أن تنجح القوات اليمنية في تثبيت سيطرتها حول باب المندب بينما تعمل القوات التركية والباكستانية داخل السعودية في أدوار دفاع جوي واستخبارات ولوجستيات؛ عندها يكون التحالف قد حقق أول اختبار للردع من دون توسيع الحرب. الثاني أن يستمر الحوثيون في استهداف المدن ومنشآت الطاقة والمطارات السعودية، فتتوسع مهام القوات المنتشرة ويقترب التحالف من المشاركة المباشرة في العمليات. أما الثالث والأخطر فهو أن تقع إصابات بين القوات التركية أو الباكستانية، أو تتسع المواجهة لتشمل إيران بصورة مباشرة؛ عندئذ تصبح المسألة أكبر من اليمن، ويبدأ اختبار ما إذا كانت المنطقة قادرة على احتواء شبكة من التحالفات المتداخلة أم أنها ستجد نفسها أمام سلسلة التزامات دفاعية تجعل الحرب أكثر صعوبة في الإيقاف.

لذلك فإن الحدث الحاسم خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية ليس استعادة موقع يمني بعينه، بل انتقال اتفاق دفاعي جديد من النص إلى القوة العسكرية. فالرياض باتت تجمع في الوقت نفسه بين شراكتها الأميركية وتحالف إقليمي مع أنقرة وإسلام آباد، فيما أصبحت معركة باب المندب اختباراً أولياً لهذه البنية. وإذا استمر هذا المسار، فقد يكون السؤال الأبعد من الحرب اليمنية هو: هل نشهد ولادة نظام أمني شرق أوسطي متعدد المظلات، حيث لا تعود واشنطن الضامن الوحيد، بل تصبح القوة الأميركية جزءاً من شبكة تجمع قوى إقليمية ونووية وأطلسية حول أمن الخليج والبحر الأحمر؟ الإجابة لم تُحسم بعد، لكن ما جرى في الرياض في يوم امس هو أول دليل عملي على أن هذا الاحتمال لم يعد نظرياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى