منذ تأسيسها وحتى “مجلس سلام” ترامب شعوب زالت وأخرى… ما زالت

في عيدها الثمانين، عجّزَتْ. شحّ نظرها، وارتجفت يداها، ولم تعد قادرة على إسماع صوتها الذي كان صارخاً في البراري. بدأ بعض أبنائها يتأففون من وجودها، وكأنها أصبحت “عالة” على الزمن والشعوب.
لم تتعظ من مصير أختها “عصبة الأمم” التي انتهت مع غزو منشوريا والحبشة والحرب الأهلية الإسبانية، عندما تجاهلت الدول الكبرى قرارات العصبة، وبدأت الحرب العالمية الثانية. فهل نحن على أبواب حرب كبرى في ظل تكرار نفس الظروف وتجاهل الدول العظمى قرارات الأمم المتحدة؟.
لقد انتهى دور المنظمة الدولية يوم غزت الولايات المتحدة العراق عام ٢٠٠٣ متجاهلة القرار الرافض لمجلس الأمن. ودُفنَ المجلس حياً في المقابر الجماعية في فلسطين، سوريا، ليبيا، السودان، اوكرانيا، افغانستان، بوكو حرام، والكونغو الثانية… واللائحة لم تنتهِ.
في عهدها نكبات ونكسات وبناء جدران. لم تستطع ابنتها المحكمة الدولية ان تلقي القبض او تجرّم مسؤولاً من صف الدول العظمى في العالم.
منذ وصوله الى البيت الأبيض في دورته الثانية، وضع الرئيس الاميركي دونالد ترامب عينه على الأمم المتحدة، وألمح الى قطع مساهمة اميركا المالية فيها، التي تُعتبر ركيزة بقاء المنظمة الدولية، وأعلن مرارًا أن وجودها عديم الفائدة، متجاهلاً تمامًا الثمانين بطاقة فيتو أميركية التي سُلَّتْ كسيوف دامية في وجه قرارات وقف الحروب العالمية.
الحاكم بأمر الدول العظمى اليوم، الإمبراطور الكوني ترامب، دعا البارحة من دافوس الى الانخراط الدولي في “مجلس السلام”، وسط انقسام دولي بشأن المشاركة. مجلسٌ أخذ طريقه من غزة ليلامس المنظومة التقليدية، ويطرح إعادة تشكيل قواعد للعبة الدولية، لاغياً الناتو والأمم المتحدة وكل المنظمات المتفرّعة منهما.
ميثاق المجلس المقترح على أنقاض غزة، أسطورةِ الدمار والإبادة، لم يَذكر اسمها في الفصول الثمانية منه. ميثاقٌ ظاهره سلام وجوهره “قجّة” جديدة للولايات المتحدة، “ويا محلا مساهمات الدول السنوية في الأمم المتحدة”! على كل دولة عضو ان تدفع يوم الانتساب مليار دولار، وملياراً آخر كل ثلاث سنوات. اما التصويت على القرارات، فلا يُحتسب الصوت إلا إذا أخذ موافقة رئيس المجلس الذي هو “الإمبرطور ترامب”. كما يملك الأخير طرد اي بلد يخالف مزاجه السياسي والاقتصادي من المجلس المذكور؛ فالعالم ليس منبراً لمن لا يتّفق معه.
البارحة سارعت الكثير من الدول للانضمام، بعضها دول صغيرة تعيش تحت التأثير المالي لأميركا، وأخرى تعيش تحت خوف هذا التأثير على مصالحها.
في انطلاقته، افتقر المجلس لدعم القوى الكبرى الأوروبية والصينية، مما يحدّ من نجاحه عالمياً. اوروبا القلقة قطعت امام ترامب الشراكة الغربية. فرنسا ترفضه لتجاوز مهمته “غزة” إضافة الى تساؤلات عن مصير الأمم المتحدة. بريطانيا لم توقّع وتدرس بحذر لعدم توافقه مع آلياتها. إيطاليا ترفض خوفًا من انتهاك دستوري بهيمنة زعيم. والنرويج والسويد ترفضان لالتزامات دولية. اما الصين، فهي تماهي نفسها مع النظام الدولي الذي تمثّل الأمم المتحدة صلبَه وعموده الفقري، في حين تحفّظت كندا الثريّة وماليزيا على انضمامهما لهذا المجلس لأسباب ديمقراطية وحيثيّة.
غالبًا، رأت الدول الكبرى نجاحه محدودًا بـ20-25 دولة إقليمية فقط (مثل مصر وقطر وإسرائيل)؛ فهو يفتقر لشرعية عالمية، لذا سيعيش كجهاز موازٍ ضعيف لا يحل محل الأمم المتحدة.
دعا قادة الاتحاد الأوروبي لصدّ دعوة ترامب حرصاً على الأمم الدولية، قانونياً ودبلوماسياً، مفضلين غصنَ زيتون ضيّق الحدود.
لم تشحذ الأمم المتحدة سيف الردّ الحادّ على دعوة ترامب لمجلس السلام، معتبرة ميثاقها منبراً أصليًّا للسلام، مؤكدة ان هيئة جديدة تكمّله ولا تنازعه.
فكرة المجلس رائعة طالما فيها كلمة “السلام”، ولكن عندما يكون بين أعضاء الهيئة الإدارية الملياردير الإسرائيلي القبرصي “ياكير غاباي” ورئيس وزراء بريطانيا “توني بلير” المضرّج بوثائق الفساد أثناء وبعد حكمه، “وجاريد كوشنير” ملك فضائح الفساد والتزوير والصفقات المشبوهة، لا بد لنا أن نرجع بالذاكرة الى قافلة الفكر والإنسانية الذين أسسوا لمنظمة الأمم المتحدة عام ١٩٤٥، مثل “كوردل هال” الحائز على جائزة نوبل للسلام في نفس العام، والمفكر والدبلوماسي اللبناني شارل مالك، الذي وضع مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كذلك وليس آخراً، محمود فهمي النقراشي، الذي دافع عن حقوق العرب والأفارقة في صياغة ميثاق الأمم المتحدة، وساهم في فرض نصوص الاستقلال الكامل للدول، لكنه اغتيل في المسجد بسبب قراره حلّ جماعة الإخوان المسلمين عام ١٩٤٨.
الفرق كبير لا بل جذري، لكن الظروف متقاربة، فهل ينجح الرئيس ترامب بفرض “مجلس السلام” وإلغاء الأمم المتحدة؟ على عتبة الثمانين من عمرها، ما زالت تخاطب البشرية بالقانون الدولي والشرعية الدولية، تحارب الاستعمار على الرغم من عصا الفيتو، تساند الفقراء وتطعم الجياع وتأوي اللاجئين…
ومنذ تأسيسها حصل ما حصل، شعوب زالت، وأخرى… ما زالت.



