إطلاق سراح الناجي عبدالله.. هل تحولت بورتسودان إلى مسرح للرسائل السياسية المتناقضة؟

بقلم ✍️ / الأستاذ أحمد العبيد
في الوقت الذي تواصل فيه السلطات في بورتسودان الحديث عن مواجهة التطرف وحماية الأمن القومي، تفاجأ الرأي العام بقرار إطلاق سراح الناجي عبدالله، القيادي المحسوب على التيار الإسلامي، عقب موجة من الجدل أثارتها تصريحاته الأخيرة التي أعلن فيها تأييده للنظام الإيراني ومواقفه السياسية المثيرة للانقسام. هذه الخطوة أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول طبيعة المشهد السياسي والإعلامي الذي تُدار به البلاد، وحول ما إذا كانت السلطة تمارس بالفعل سياسة حقيقية لمحاربة التطرف، أم أنها تدير ما يشبه “المسرح السياسي” الذي تتبدل فيه الأدوار وفقاً للمصالح والصفقات المؤقتة.
الكثير من السودانيين باتوا ينظرون بعين الريبة إلى طريقة تعامل السلطات في بورتسودان مع الشخصيات المرتبطة بالحركة الإسلامية أو الجماعات المتشددة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمحاسبة أو تنفيذ القانون بصورة عادلة ومتساوية. فبينما يتم التضييق على ناشطين ومدنيين بسبب آرائهم السياسية أو مواقفهم الإعلامية، تظهر مرونة لافتة تجاه شخصيات مثيرة للجدل تُتهم بخطابات إرهابية تحريضية أو بعلاقات سياسية وأيديولوجية مع محاور إقليمية معروفة. هذا التناقض يخلق انطباعاً عاماً بأن العدالة تُستخدم أحياناً كأداة سياسية، لا كمبدأ قانوني ثابت يطبق على الجميع دون استثناء.
تصريحات الناجي عبدالله الأخيرة بشأن دعمه للنظام الإيراني لم تكن مجرد موقف عابر في سياق سياسي عادي، بل جاءت في لحظة شديدة الحساسية تعيش فيها المنطقة حالة استقطاب حاد وصراعات إقليمية مفتوحة. ولذلك فإن إطلاق سراحه بهذه السرعة بعث برسائل سياسية مربكة، وأثار تساؤلات حول طبيعة التحالفات التي تتحرك داخل معسكر بورتسودان ، وما إذا كانت بعض التيارات لا تزال تمتلك نفوذاً يسمح لها بتجاوز المحاسبة أو الحصول على معاملة خاصة مهما بلغت خطورة خطابها أو تأثيرها على الأمن والاستقرار.
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في شخص الناجي عبدالله أو في تصريحاته، بل في الطريقة التي تُدار بها حكومة بورتسودان خلال هذه المرحلة المضطربة. فالدول التي تواجه حروباً وانقسامات داخلية تحتاج إلى مؤسسات قوية وشفافة، لا إلى مشاهد سياسية مرتبكة تُفقد المواطنين الثقة في القانون وفي جدية الدولة نفسها. كما أن استمرار الرسائل المتناقضة بين الخطاب الرسمي والممارسات على الأرض يفتح الباب أمام مزيد من الاحتقان، ويمنح القوى المتشددة مساحة جديدة للعودة إلى المشهد تحت غطاء التسويات السياسية أو الحسابات المرحلية.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن الشارع السوداني بات أكثر وعياً بمحاولات إعادة تدوير الوجوه القديمة وتقديمها بأشكال جديدة. فالمواطن الذي دفع ثمن الحرب والانهيار الاقتصادي والنزوح، لم يعد مستعداً لتقبل ما يراه “مسرحيات سياسية” تُستخدم فيها القضايا الوطنية الكبرى لتحقيق توازنات ضيقة أو صفقات خلف الكواليس. ولذلك فإن أي سلطة تسعى لاستعادة ثقة الناس مطالبة اليوم بإثبات التزامها الحقيقي بالعدالة والشفافية، لا بالاكتفاء بالشعارات والخطابات الإعلامية.



