مع غفلة العالم… هل يتكرر السيناريو السوداني في اليمن؟

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى الحرب في أوكرانيا، والتوتر بين إيران وإسرائيل، وأمن البحر الأحمر، تبدو اليمن وكأنها خرجت تدريجيًا من دائرة الاهتمام الدولي. غير أن الهدوء النسبي الذي تعيشه الجبهات لا يعني أن الأزمة تقترب من نهايتها، بل ربما يخفي وراءه مخاطر أكبر. فقد أكد المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، في أكثر من إحاطة أمام مجلس الأمن، أن اليمن لا يعيش سلامًا، وإنما “هدوءًا هشًا” يمكن أن ينهار في أي لحظة إذا لم يتحول إلى تسوية سياسية شاملة. كما حذرت الأمم المتحدة من أن البلاد لا تزال تشهد واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يحتاج أكثر من 19.5 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية والحماية خلال عام 2025، بينما يعاني نحو 17 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، وفقًا لتقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) وبرنامج الأغذية العالمي.
وإذا كان السودان يقدم اليوم نموذجًا صارخًا لما يمكن أن تؤول إليه الحروب عندما يراهن الجميع على الحسم العسكري، فإن اليمن يقف أمام مفترق مشابه. فقد أوضح المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، في مؤتمره الصحفي الأخير بنيويورك، أن أكبر عقبة أمام السلام هي استمرار اعتقاد الأطراف المتحاربة بإمكانية تحقيق انتصار عسكري، مؤكدًا أن هذا الاعتقاد هو ما يطيل أمد الحرب ويؤجل أي تسوية سياسية. وأضاف أن المجتمع الدولي بات مقتنعًا بأن السودان لا يملك حلًا عسكريًا، بل يحتاج إلى عملية سياسية يقودها السودانيون أنفسهم. والمنطق ذاته ينسحب إلى حد كبير على اليمن؛ إذ يكرر غروندبرغ في إحاطاته أن أي طرف لن يستطيع فرض الاستقرار بالقوة، وأن الحل الوحيد القابل للاستمرار هو الحوار السياسي الشامل.
لكن الأزمة اليمنية لم تعد قضية داخلية فقط. فكما ورد في إحاطات الأمم المتحدة وتقارير مجلس الأمن، أصبح اليمن جزءًا من معادلة أمنية إقليمية معقدة، ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر، وسلامة الملاحة الدولية، والتوترات الأمريكية الإيرانية، والهجمات المتبادلة في المنطقة. ولهذا حذر غروندبرغ من أن تحويل اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية سيقوض أي فرصة لبناء سلام دائم، وسيعيد البلاد إلى دوامة الصراع التي عانت منها طوال العقد الماضي.
أما إنسانيًا، فتبدو الصورة أكثر قتامة. فقد أفادت الأمم المتحدة بأن نقص التمويل الدولي أدى إلى تقليص العديد من برامج الغذاء والصحة والحماية، في وقت أعلنت فيه منظمات أممية أن عملياتها داخل اليمن أصبحت أكثر صعوبة بسبب القيود الأمنية والإدارية، فضلًا عن استمرار احتجاز عدد من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، وهو ما أثر بشكل مباشر على قدرة هذه المؤسسات في الوصول إلى ملايين المحتاجين. كما حذر برنامج الأغذية العالمي من أن استمرار تراجع التمويل قد يدفع ملايين اليمنيين إلى مستويات أشد من الجوع، في ظل اقتصاد يعاني من انهيار العملة وتراجع الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر.
وتشير مؤسسات دولية، بينها البنك الدولي والأمم المتحدة، إلى أن استمرار الأزمة لا يهدد اليمن وحده، بل يمتد أثره إلى المنطقة بأسرها. فالبحر الأحمر وخليج عدن يمثلان أحد أهم شرايين التجارة العالمية، إذ يمر عبرهما ما يقارب 12% من التجارة العالمية، فيما يؤكد خبراء الاقتصاد أن أي اضطراب طويل في اليمن ينعكس مباشرة على أمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة الملاحة الدولية، فضلًا عن احتمالات اتساع موجات الهجرة غير النظامية نحو القرن الإفريقي ودول الخليج.
ومن اللافت أن الرسالة التي حملها بيكا هافيستو بشأن السودان، والرسالة التي يكررها هانس غروندبرغ بشأن اليمن، تكاد تكون واحدة. فالأول يقول إن السلام لن يبدأ ما دام المتحاربون يعتقدون أنهم قادرون على الانتصار بالسلاح، والثاني يؤكد أن الهدوء الحالي لن يصمد ما لم يتحول إلى اتفاق سياسي شامل. وبين السودان واليمن تبدو الحقيقة واحدة أيضًا: فالحروب قد تتوقف مؤقتًا، لكنها لا تنتهي عندما يصمت السلاح، بل عندما تتوافر إرادة سياسية تعيد بناء الدولة وتمنح المواطنين أسبابًا للحياة.
ولهذا، ربما لم يعد السؤال الحقيقي اليوم: هل يمكن إنهاء الحرب في اليمن؟ بل: هل ينتظر العالم حتى يتحول “الهدوء الهش” إلى انفجار جديد، كما انتظر طويلًا في السودان قبل أن يدرك حجم الكارثة؟



