البحرين في مواجهة إيران دوليًا: دفاع عن السيادة أمام صراع موازين القوى في الخليج

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
شهد مجلس الأمن الدولي في الامم المتحدة يوم امس جلسة طارئة بطلب من مملكة البحرين، خُصصت لبحث تداعيات الهجمات الإيرانية الأخيرة على المملكة والتصعيد العسكري في الخليج، حيث عرض وزير الخارجية البحريني الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني ما وصفه بانتهاكات إيرانية استهدفت المدنيين والمنشآت الحيوية، داعيًا المجلس إلى تحمل مسؤولياته في حماية الأمن والسلم الدوليين، ومؤكدًا أن ما تتعرض له البحرين يمثل تهديدًا يتجاوز حدودها ليطال استقرار المنطقة بأكملها.
كما وثّق الزياني أمام أعضاء المجلس استخدام إيران صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة ضد البحرين وعدد من دول الخليج، معتبرًا أن هذه الهجمات تشكل انتهاكًا صريحًا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، ومشددًا على أن أمن دول مجلس التعاون الخليجي “غير قابل للتجزئة”، وأن المجتمع الدولي مطالب بإرسال رسالة واضحة برفض استهداف سيادة الدول.
وذكرت تقارير الأمم المتحدة، كما نقلت مصادر دبلوماسية أن التحرك البحريني جاء بعد سلسلة اتصالات ورسائل رسمية وجهتها المنامة إلى مجلس الأمن عقب الهجمات التي تعرضت لها في أواخر يونيو 2026، مستفيدة من عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن للفترة 2026/2027، في محاولة لتحويل القضية من خلاف إقليمي إلى ملف دولي يرتبط مباشرة بحماية الأمن الجماعي وحرية الملاحة الدولية.
وربطت البحرين بين الهجمات الإيرانية وأمن التجارة العالمية، مؤكدة أن أي تهديد لمضيق هرمز يهدد أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبر المضيق نحو 20% من تجارة النفط العالمية يوميًا. وأكد الزياني أن استهداف الملاحة الدولية لم يعد قضية خليجية فقط، بل أصبح قضية تمس استقرار الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والطاقة.
و تقدمت البحرين باسم دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، بمشروع قرار لإدانة الهجمات الإيرانية، وهو القرار رقم 2817 الذي اعتمده مجلس الأمن في 11 مارس 2026 بأغلبية 13 صوتًا مع امتناع روسيا والصين عن التصويت، بينما حظي المشروع برعاية 135 دولة، وهو أكبر عدد من الدول الراعية لمشروع قرار في تاريخ مجلس الأمن بحسب الخارجية البحرينية.
وقد واجه مشروع بحريني آخر يهدف إلى حماية الملاحة في مضيق هرمز، انقسامًا داخل مجلس الأمن، بعدما حصل على تأييد 11 دولة، حيث استخدمت روسيا والصين حق النقض معارضتين الصيغة المقترحة، و معتبرتين أن النص لم يتناول جميع أسباب التصعيد، بينما امتنعت دول أخرى عن التصويت، وهو ما عكس استمرار الانقسام الدولي بشأن كيفية التعامل مع الأزمة الخليجية.
وصفت البحرين الهجمات الإيرانية بأنها نهج متكرر ومتعمد يستهدف أمن المملكة واستقرارها، مؤكدة أن الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ لم تعد أحداثًا معزولة، بل جزءًا من سياسة تصعيدية تهدد أمن الخليج، خصوصًا مع استضافة البحرين مقر الأسطول الخامس الأمريكي.
وقد دعمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وعددًا من الدول الغربية الموقف البحريني داخل مجلس الأمن، معتبرة أن حماية سيادة دول الخليج وحرية الملاحة الدولية ضرورة للحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي، فيما شدد مسؤولون أمريكيون على أن أمن مضيق هرمز لا يخضع لأي سيادة منفردة، بل تحكمه قواعد القانون الدولي. في الوقت الذي، دعت روسيا والصين إلى معالجة متوازنة تشمل جميع أطراف الأزمة، محذرتين من قرارات قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد.
أما إيران، فعبّرت عن رفضها الكامل للاتهامات البحرينية، معتبرة أن تحركاتها العسكرية جاءت في إطار الدفاع عن أمنها القومي، وأن الوجود العسكري الأجنبي في الخليج يمثل أحد أسباب التوتر الأساسية، فيما اتهم مندوبها لدى الأمم المتحدة بعض الدول بمحاولة تحميل طهران وحدها مسؤولية الأزمة دون الإشارة إلى الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي سبقتها.
ويرى عدد من المحللين، وفق ما أوردته مراكز أبحاث وتقارير سياسية غربية، أن التحرك البحريني يعكس تحولًا في الدبلوماسية الخليجية نحو تدويل أمن الخليج وربطه بالأمن الاقتصادي العالمي. وورد عن الباحث الأمريكي جون ألترمان من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) أن دول الخليج أصبحت تستخدم المؤسسات الدولية كجزء من إستراتيجية الردع، بينما يرى الباحث الإماراتي عبدالخالق عبدالله أن البحرين نجحت في نقل المواجهة من الإطار العسكري إلى الإطار القانوني والدبلوماسي، في حين يحذر الباحث تريتا بارسي من أن استمرار الاستقطاب داخل مجلس الأمن قد يجعل أي حلول رهينة للتنافس بين القوى الكبرى أكثر من ارتباطها بالقانون الدولي.
وهكذا، لم تكن جلسة مجلس الأمن مجرد عرض لموقف بحريني أو تبادل اتهامات مع إيران، بل تحولت إلى اختبار جديد لقدرة الأمم المتحدة على حماية سيادة الدول الصغيرة في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية، حيث تتداخل اعتبارات الأمن والطاقة والجغرافيا السياسية. وبين الدعم الغربي، والتحفظ الروسي الصيني، والرفض الإيراني، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع مجلس الأمن فرض قواعد ردع جديدة في الخليج، أم أن موازين القوى ستظل هي العامل الحاسم في إدارة أزمات المنطقة؟



