حين يعتاد المجتمع كشف سترهم بأيديهم

✍️ بقلم : زعفران على المهنا
لم نعد نتألم فقط بل أصبحنا نتردد نكتب الكلمة ثم نحذفها نهمس بالفكرة ثم نخشى صداها كأن التعبير نفسه صار تهمة وكأن الصمت أصبح النجاة الوحيدة في زمن يصفق فيه الجميع للضجيج لا للمعنى
في هذا العالم الافتراضي لم تعد المنصات مجرد وسائل تواصل بل تحولت إلى ساحات مفتوحة لتشكيل الوعي او تشويهه .
ترند هنا وترند هناك وضجيج هنا وضجيج هناك وقصص تسحب من خصوصيات البيوت لتعرض كفرجة يومية حتى أصبحنا نخلط بين الجرأة والفضيحة وبين الصدق والانكشاف وبين الاصلاح والتشهير .
كم هو موجع أن يصبح الحديث عن القيم تهمة وأن ينظر لمن يدافع عن الاخلاق وكأنه يقف ضد الحرية بينما الحقيقة المؤلمة أن كثيرا مما يروج له اليوم ليس حرية بل فوضى مغلفة ببريق زائف تدار احيانا بمصالح خفية وتغذى بنزعة لزعزعة الثوابت وتمزيق النسيج المجتمعي حتى يبدو الانحلال طبيعيا والخصوصية عبئا يمكن التخلص منه بسهولة
لقد أصبح البعض يفتح أبواب بيته للعالم لا طلبا للحل بل سعيا للتعاطف او الانتصار فيفصل خلافاته العائلية وينشر ألمه ويعرض تفاصيله وكأن كرامة الانسان لم تعد خطا احمر وما لا يدركه كثيرون أن ما ينشر لا يختفي وأن ما يقال اليوم قد يصبح عبئا وأن أبناءنا الذين نربيهم سيرثون هذه الفوضى كجزء من ثقافتهم إن لم نتدارك الامر
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الترندات
بل نحتاج إلى وعي
لا نحتاج إلى منصات تصرخ بل إلى عقول تفكر وقلوب تزن الامور بميزان الحكمة
نحتاج إلى آلية داخلية قبل أن تكون خارجية آلية تعيدنا إلى سؤال بسيط
هل ما أنشره يضيف لي أم ينتقص مني
هل يحفظ كرامتي أم يبعثرها هل يبني مجتمعا أم يهدمه بصمت
الفيسبوك وكل منصة ليست مجرد حساب إنها سيرة ذاتية مفتوحة مرآة تعكسك أمام العالم فكيف نقبل أن نكون نحن من يشوه صورتنا بأيدينا كيف نسمح لأنفسنا أن نختزل في لحظة غضب أو منشور انفعال أو قصة ناقصة تبحث عن تعاطف عابر
إن العودة إلى القيم ليست شعارا بل مسؤولية تبدأ من احترام الذات من إدراك أن لكل بيت حرمته ولكل علاقة قدسيتها وأن الاصلاح لا يكون على الملأ بل في مساحات تحفظ الكرامة وتمنح الحل فرصة أن يولد بهدوء
فلنعترف لسنا بحاجة أن نكون ترندا نحن بحاجة أن نكون حقيقيين متزنين أوفياء لما تبقى من جمال هذا المجتمع لأن المجتمعات لا تهدم فجأة بل تتآكل حين يعتاد أهلها كشف سترهم بأيديهم
وفي النهاية ليس كل ما يقال ينشر وليس كل ما ينشر يستحق أن يقال



