السودان وشبح الانهيار الإنساني

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
في وقت تتنافس فيه الأزمات على عناوين الأخبار، لم يعد السودان مجرد حرب بين طرفين، بل أصبح نموذجًا لانهيار متعدد الطبقات؛ تتداخل فيه المعارك العسكرية مع المجاعة، والنزوح، وانهيار الاقتصاد، وتعطل المؤسسات، وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما تتجه الأنظار إلى بؤر توتر أخرى، تحذر الأمم المتحدة من أن السودان يقترب أكثر من نقطة قد يصبح معها احتواء الأزمة أكثر صعوبة من إنهائها.
ففي أحدث إحاطاتها، أكدت الأمم المتحدة أن تدهور الوضع الأمني في شمال دارفور أجبر أكثر من 3,500 شخص على الفرار من إحدى قرى محلية أمبرو خلال أيام قليلة، بينما اضطرت منظمات إنسانية إلى تعليق أو تأجيل بعثات ميدانية بسبب انعدام الأمن، وهو ما يعني عمليًا أن آلاف المدنيين باتوا خارج نطاق المساعدات في لحظة تتصاعد فيها الاحتياجات الإنسانية بوتيرة غير مسبوقة.
لكن دارفور ليست سوى جزء من صورة أكبر. فوفق خطة الأمم المتحدة للاحتياجات والاستجابة الإنسانية لعام 2026، يحتاج 33.7 مليون شخص داخل السودان إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية، وهو أعلى رقم تشهده البلاد منذ اندلاع الحرب، فيما تتركز أشد الاحتياجات في ولايات دارفور وكردفان والخرطوم والجزيرة. وتؤكد الأمم المتحدة أن أكثر من 11.4 مليون شخص في هذه المناطق يواجهون احتياجات إنسانية حادة، بينما يعيش 2.3 مليون في ظروف توصف بأنها “كارثية”، نتيجة استمرار القتال والانهيار الاقتصادي والتضخم وتراجع الخدمات العامة.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود السودان. فوفق بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، تحولت الحرب إلى أكبر أزمة نزوح في العالم، مع ما يقارب 15.3 مليون شخص بين نازح ولاجئ وعائد، بينهم نحو 9.3 مليون نازح داخلي وقرابة 4.9 مليون لاجئ عبروا إلى تشاد وجنوب السودان ومصر وإثيوبيا وليبيا وأوغندا وجمهورية إفريقيا الوسطى. ولم تعد هذه الأرقام تعكس أزمة سودانية فقط، بل تحديًا إقليميًا يضغط على الدول المجاورة وعلى منظومة الإغاثة الدولية بأكملها.
وفي موازاة ذلك، تتحرك الأمم المتحدة على جبهة أخرى أقل حضورًا في الإعلام، لكنها لا تقل حساسية، وهي منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان. فقد أجرى القائد بالإنابة لقوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في أبيي (يونيسفا) سلسلة لقاءات مع مسؤولين في الخرطوم وجوبا، ركزت على استئناف آليات التنسيق السياسي والأمني، والحفاظ على أبيي منطقة منزوعة السلاح، ومنع تحولها إلى جبهة جديدة قد توسع دائرة الصراع. ويعكس هذا الحراك قناعة متزايدة داخل الأمم المتحدة بأن استقرار أبيي لم يعد قضية حدودية فحسب، بل عنصرًا أساسيًا في أمن الإقليم بأسره.
ويحذر المسؤولون الأمميون من أن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط استمرار العمليات العسكرية، بل انهيار القدرة الإنسانية على الوصول إلى المدنيين. فكل طريق يغلق، وكل قافلة تؤجل، وكل مركز صحي يتوقف عن العمل، يضيف طبقة جديدة إلى الأزمة. ولهذا كررت الأمم المتحدة دعوتها لجميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وضمان وصول المساعدات بصورة آمنة وسريعة ودون عوائق.
وتزداد الصورة تعقيدًا عندما تمتد آثار الحرب إلى ما وراء الحدود. ففي شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، أدت موجات جديدة من العنف إلى نزوح آلاف المدنيين وتعطيل طرق الإمداد الإنسانية، في وقت يتزامن فيه ذلك مع استمرار تفشي وباء الإيبولا، وهو ما تنظر إليه وكالات الأمم المتحدة باعتباره مثالًا على الترابط بين النزاعات المسلحة والأزمات الصحية والهشاشة الإقليمية. فحين تتعطل أنظمة الصحة والمياه والصرف الصحي، لا تبقى الأمراض داخل حدود دولة واحدة، بل تتحول إلى تهديد يتجاوز الخرائط السياسية.
ويرى عدد من الخبراء الدوليين أن السودان لم يعد يواجه أزمة إنسانية تقليدية، بل أزمة دولة. الباحثون في ACAPS يحذرون من أن النصف الثاني من عام 2026 قد يشهد مزيدًا من تدهور الأوضاع الإنسانية، مع تصاعد مخاطر النزوح، وتعطل الخدمات، وصعوبة وصول المساعدات، إذا استمرت العمليات العسكرية بالمستوى الحالي. كما يصف مسؤولون في الأمم المتحدة السودان بأنه يشهد أكبر أزمة إنسانية وأكبر أزمة نزوح على مستوى العالم، في وقت لا تزال فيه خطط الاستجابة الإنسانية تعاني فجوة تمويل كبيرة تحد من قدرة الوكالات الدولية على توسيع عملياتها.
وبين أروقة مجلس الأمن، لا يقتصر النقاش على وقف إطلاق النار، بل يمتد إلى مستقبل الدولة السودانية نفسها. فاستمرار الحرب يعني مزيدًا من النزوح، واتساع رقعة الجوع، وانهيار المؤسسات، وارتفاع مخاطر انتقال عدم الاستقرار إلى القرن الإفريقي ومنطقة الساحل ووسط إفريقيا، وهي مناطق ترتبط أصلًا بشبكات هجرة ونزاعات عابرة للحدود.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد كممدينة سقطت؟ وكم شخص نزح؟ بل أصبح، هل لا يزال السودان يمر بأزمة إنسانية يمكن احتواؤها، أم أن العالم يقف أمام مرحلة يتجاوز فيها الانهيار حدود الإغاثة ليصبح تحديًا طويل الأمد للأمن والاستقرار الإقليميين؟
إن أخطر ما في الحرب السودانية أنها لا تتقدم بسرعة العناوين العاجلة، بل ببطء الاستنزاف؛ حيث تتراجع المدن، وتفرغ القرى، وتتآكل مؤسسات الدولة، بينما تتسع الفجوة بين حجم المأساة وحجم الاهتمام الدولي. وربما يكون هذا الصمت هو أكثر ما يجعل شبح الانهيار الإنساني يقترب من السودان يومًا بعد آخر المقال ١٣٧: زينة بلقاسم.


