ميلاد… الذي باع الناس أحلام الغنى وعاش غنيًّا بالله !

✍️ بقلم / سمر نادر
في طفولتي، استيقظتُ على وجهٍ لم أفهمه في البداية. كان مختلفًا عن الوجوه التي اعتدتها، فخفتُ منه قليلًا، كما يخاف الأطفال من كل ما لا يعرفون. لكنّ الطفولة، على براءتها، لا تُقيم طويلًا عند حدود الخوف، سرعان ما تقترب، وتكتشف، وتحبّ. وهكذا كان ميلاد
كان ميلاد من أصحاب متلازمة داون، لكنّ هذه العبارة لا تقول شيئًا عن ميلاد الذي عرفناه. كان وجهًا من البراءة، وقلبًا من الطيبة، وروحًا لا تعرف الالتواء. لم يكن يحتاج إلى الكثير كي يكون سعيدًا.. كانت تكفيه صحنُ “كبّة بلبنيّة”، فيشكر ربّه، كأنّ السماء وضعت بين يديه وليمةً من نعيم.
كان يبيع أوراق اليانصيب ويحمل للناس أحلامهم الصغيرة، بيتًا أوسع، ورزقًا أكثر، وحظًّا يغيّر مجرى الأيام. كان يبيعهم احتمال الفرح والبحبوحة، وهو لا يعرف، ربما، كلّ ما تعنيه البحبوحة في حسابات البشر
وفي ثمانينيّات القرن الماضي، على الطريق البحرية، كان ميلاد يقود الأطفال في رحلاتهم الصغيرة، كأنّه قائد فرسان مالطا، يتقدّمهم بحماسة الفارس، ويحرس خطواتهم بقلبٍ أكبر من قامته. كان يشعر بمسؤوليّة حقيقيّة عنهم، يحميهم بعفويّة المحبّ، وبغيرة من يرى في كلّ طفل أمانةً في عنقه. ولعلّه، في تلك الرحلات، كان يمنحهم من الأمان ما عجزت الدولة اللبنانية، في كثير من الأحيان، عن منحه لهم.
لم يكن فارسًا يحمل سيفًا، بل قلبًا. ولم يكن قائدًا ينتظر الأوامر أو الأوسمة، بل إنسانًا يعرف، بالفطرة، أنّ المحبّة مسؤولية، وأنّ حماية الضعيف ليست فضلًا نتكرّم به عليه، بل واجبٌ في أعناقنا.
احتضنت أنفة، بلدة العلم والثقافة والمحبّة، ميلاد بقلبٍ مفتوح، فأكرمته وأحبّته، وكان واحدًا من أهلها وذاكرتها. وفي كنف عائلة توما المحبّة، عاش بكرامته ومكانته، شاهدًا على أنّ الإنسان لا يُقاس باختلافه، بل بإنسانيّته، وأنّ المحبّة الصادقة لا ترى في الاختلاف حاجزًا، بل ترى الإنسان كما أراده الله.
ولعلّ ميلاد جسّد ببساطته كلمات السيّد المسيح: “طوبى للمساكين بالروح، لأنّ لهم ملكوت السماوات”؛ فكان قلبه المتواضع، الذي لا يعرف التعالي، أقرب إلى روح الإنجيل من كثيرٍ من الكلام.
لقد سمّوه ميلاد. وربّما لم تكن والدته تعرف، وهي تختار له هذا الاسم، أنّه سيحمل من معناه أكثر ممّا تحمله الحروف. لم تكن تعرف أنّ هذا الطفل سيغدو، على طريقته البسيطة، رسولًا من رسل المسيح.. لا يعظ من على منبر، ولا يفسّر الإنجيل بكلماتٍ كبيرة، بل يعيشه في تفاصيل يومه، في ابتسامته، وفي طيبته، وفي اكتفائه، وفي محبّته للأطفال، وفي تلك البراءة التي تجعل الإنسان أقرب إلى الله ممّا يظنّ.
رحل الجسد، وبقيت الحكاية. بقي الطفل الذي تعلّمنا، من خلاله، كيف نتجاوز خوفنا من الاختلاف، وكيف نكتشف أنّ ما نخشاه في البداية قد يصبح من أحبّ الأشياء إلى قلوبنا.
رحل ميلاد، وبقي الميلاد الذي صنعه فينا.. ميلاد الرحمة، والتواضع، والنظرة التي ترى الإنسان قبل أيّ اختلاف. وربّما كان أجمل ما تركه لنا أنّه جعلنا، ولو للحظة، نعيد النظر في أنفسنا، ونسأل: مَن منّا كان أغنى منه حقًّا؟
الله يرحمو . المسيح قام !



