من صنعاء إلى موسكو.. مفاوضات خلف الصواريخ ورهان جديد على أمن الجزيرة العربية

 

 

نيويورك – زينة بلقاسم – الأمم المتحدة

لم يكن لافتاً هذا الأسبوع عدد الصواريخ التي اعترضتها الدفاعات السعودية بقدر ما كان لافتاً عدد العواصم التي تحركت في وقت واحد لمنع اتساع المواجهة. ففي صنعاء تتواصل حسابات الحرب، وفي الرياض ترتفع أولوية حماية المدن والمنشآت الحيوية، وفي طهران تُطرح ترتيبات أمنية إقليمية، بينما تتحرك موسكو ومسقط على مسارين دبلوماسيين مختلفين يلتقيان عند مستقبل اليمن والخليج. ففي السادس والعشرين من أكتوبر، استقبلت طهران وفداً رفيع المستوى ضم وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، حيث عقدوا مباحثات مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ومسؤولين إيرانيين كبار. وفي السابع والعشرين من أكتوبر، أعلنت الأطراف مواصلة الحوار بشأن الأمن والاستقرار الإقليمي، بالتزامن مع تقارير عن اعتراض ثلاثة صواريخ باليستية وأربع طائرات مسيّرة أطلقها الحوثيون باتجاه السعودية. والمفارقة أن هذه الاتصالات جرت بينما تتواصل العمليات العسكرية، ما يضع المنطقة أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن التفاوض على وقف الحرب بينما يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه العسكري قبل أي تسوية؟ ووفق المعلومات التي نقلتها وكالة «رويترز»، تناولت المباحثات الاعتداءات الحوثية والتوتر الأميركي الإيراني وأمن مضيق هرمز، لكن لم يُعلن اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار. 

وفي موسكو، انتقل الملف اليمني إلى طاولة دبلوماسية تحمل أبعاداً تتجاوز حدود الجزيرة العربية. فقد أعلنت الأمم المتحدة، في الثامن والعشرين من أكتوبر، أن مبعوثها الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ اختتم زيارة إلى العاصمة الروسية التقى خلالها نائب وزير الخارجية ألكسندر أليموف ومسؤولين دبلوماسيين لبحث التصعيد وآفاق التسوية السياسية. وشدد المبعوث الأممي على ضرورة تنسيق الدعم الإقليمي والدولي لإنجاح المسار السياسي. وجاء ذلك بعد يوم واحد من استضافة موسكو القمة الثامنة لمنتدى الدول المصدرة للغاز، حيث أجرى الرئيس فلاديمير بوتين مباحثات منفصلة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، تناولت تطورات الشرق الأوسط وأمن الطاقة ومضيق هرمز. وبحسب الديوان الأميري القطري، بحث لقاء بوتين وأمير قطر سلاسل إمداد الطاقة والاستقرار الإقليمي، فيما حذر الرئيس الروسي من تداعيات اضطراب إمدادات الغاز. ولا تثبت هذه اللقاءات وجود مبادرة روسية متفق عليها لتسوية حرب اليمن، لكنها تعكس اهتمام موسكو بالحضور في ملفات تتقاطع فيها الدبلوماسية والطاقة والعلاقات مع إيران ودول الخليج. فالنفوذ الروسي لا يرتبط بالوساطة السياسية وحدها، بل أيضاً بموقع روسيا في أسواق الطاقة العالمية وبقدرتها على توظيف علاقاتها المتعددة لتعزيز حضورها الدولي. 
أما سلطنة عُمان، فقد قدمت في السادس والعشرين من أكتوبر تصوراً مختلفاً لمستقبل الأمن الخليجي. ففي محاضرة بجامعة كامبريدج، دعا وزير الخارجية بدر البوسعيدي إلى إنشاء إطار أمني شامل يجمع الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب إيران والعراق، معتبراً أن استبعاد طهران من ترتيبات الأمن الإقليمي كانت له عواقب سلبية على المنطقة. وتكمن أهمية الطرح العُماني في انتقال النقاش من كيفية ردع التهديدات إلى كيفية بناء قواعد مشتركة تمنع نشوء التهديدات أصلاً. فمسقط، التي تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع طهران والرياض وواشنطن، ترى أن حماية الملاحة والاستقرار تحتاج إلى ترتيبات إقليمية قابلة للاستمرار، بالتوازي مع الشراكات الدولية القائمة. لكن هذه الرؤية لا تزال مقترحاً سياسياً، وليست معاهدة قبلتها الدول الثماني. ومن منظور الأمن الخليجي، تبرز هنا معضلة أساسية: السعودية تحتاج إلى ضمانات تمنع استهداف أراضيها بالصواريخ والمسيّرات، وإيران تسعى إلى تخفيف الضغوط الأمنية والاقتصادية، بينما يربط الحوثيون مطالبهم بإنهاء القيود المفروضة على المناطق التي يسيطرون عليها. ولذلك فإن نجاح أي اتفاق لا يتوقف على المصالحة السعودية الإيرانية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى تفاهم يمني يشمل الحكومة المعترف بها دولياً والحوثيين وبقية القوى اليمنية، مع ضمانات واضحة لحماية المدنيين والمنشآت ووقف الاعتداءات عبر الحدود. 
والبعد الأكثر حساسية في هذه التحركات يكمن في الجغرافيا الاقتصادية. فاليمن يطل على باب المندب، أحد أهم الممرات التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس، فيما يقع مضيق هرمز عند المدخل البحري لصادرات الطاقة الخليجية. وأي اضطراب متزامن في الممرين لا يهدد السعودية أو إيران وحدهما، بل قد يرفع تكاليف التأمين والشحن ويؤثر في واردات الطاقة والغذاء والسلع الصناعية على امتداد الأسواق الآسيوية والأوروبية. وفي الثامن والعشرين من أكتوبر، كشفت صحيفة «الغارديان» عن مساعٍ خليجية لصياغة اتفاق متعدد الملفات، يتضمن إعادة فتح هرمز وتخفيف العقوبات ومعالجة الأزمة اليمنية، مع حديث عن مقترح إيراني لتقصير المدة المرتبطة بإعادة فتح المضيق من سبعة أيام إلى أربعة بعد تلبية شروط محددة. وتظل هذه معلومات صحفية عن مقترحات تفاوضية، وليست اتفاقاً دخل حيز التنفيذ. ومن هنا تبرز مصالح الأطراف المختلفة: السعودية تريد حماية أمنها واستثماراتها وطرق تصديرها، وإيران تحاول تحسين موقعها التفاوضي، وعُمان تسعى إلى ترسيخ دورها في بناء تفاهمات إقليمية، بينما تنظر روسيا إلى استقرار الطاقة والتحالفات من زاوية مصالحها الاقتصادية والدبلوماسية. أما الولايات المتحدة وأوروبا، فتحتفظان بمصالح رئيسية في حرية الملاحة وحماية الشركاء ومنع توسع الحرب. فالتحكم في طرق الطاقة لا يعني بالضرورة إغلاقها؛ إذ قد يصبح ضمان استمرارها بصورة آمنة أكثر قيمة استراتيجية من القدرة على تعطيلها. 
وتكشف قراءة اجتماعات هذا الأسبوع أن اليمن لم يعد ملفاً يمكن فصله عن مستقبل الأمن الخليجي والعلاقة الأميركية الإيرانية أو التنافس الدولي على الطاقة. غير أن الحديث عن تفاهم روسي إيراني عُماني سعودي شامل سيكون سابقاً لأوانه؛ فاللقاءات المعلنة جرت في مسارات منفصلة، ولم يصدر عنها اتفاق مشترك يجمع الأطراف الخمسة. وأمام هذه المعطيات تبرز ثلاثة احتمالات: أن تنجح الاتصالات السعودية الإيرانية والوساطات الإقليمية في التوصل إلى تهدئة تدريجية تفتح الباب لمفاوضات يمنية أوسع؛ أو أن تستمر المباحثات دون اختراق، بينما تبقى الهجمات والعمليات العسكرية وسيلة ضغط متبادلة؛ أو أن يؤدي تصعيد جديد إلى توسيع المواجهة وتعقيد التسوية. وفي جميع الحالات، يبقى المدنيون اليمنيون الأكثر تعرضاً لتداعيات استمرار الحرب، وتظل حماية السكان والبنية التحتية والالتزام بالقانون الدولي شروطاً أساسية لأي استقرار مستدام. والسؤال الجيوسياسي الذي تتركه اجتماعات طهران وموسكو وطرح مسقط هو: هل تستطيع القوى الإقليمية تحويل تنافسها على الأمن والنفوذ إلى تفاهم يحمي اليمن والسعودية والممرات البحرية، أم أن المصالح المتعارضة ستبقي اليمن ورقة في مفاوضات تتجاوز حدوده؟ فالتسوية الحقيقية لا تقاس بعدد الاجتماعات، بل بقدرتها على وقف الهجمات وإعادة بناء المؤسسات وفتح الطرق والموانئ، وتحويل الموقع الاستراتيجي لليمن من ساحة صراع إلى ركيزة للاستقرار والتجارة الإقليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى