أين افتح يا سمسم؟ وهل نعيش عصر وأد العلم؟

 

✍️ بقلم : زعفران علي المهنا

أحيانا يأخذنا الحنين إلى برامجنا القديمة، فنعود إليها وكأننا نفتح نافذة على طفولتنا، ونتذكر كيف بنت ثقافتنا، وحسنت ألفاظنا، وقربتنا من اللغة العربية، وعلمتنا دون أن نشعر أننا نتلقى دروسا في التربية والمعرفة.
نتذكر «افتح يا سمسم»، ومسلسلات الأطفال التي كانت تأخذنا في رحلات ممتعة، نعيش فيها المغامرة، ونواجه التحديات، ونتعلم الصبر والتعاون، وننتظر بشغف لحظة الفوز والنجاح في نهاية الرحلة.
لم تكن تلك البرامج مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت مدارس صغيرة تعلمنا أن لكل نجاح طريقا، ولكل إنجاز جهدا، وأن التعثر ليس نهاية الحكاية، بل قد يكون بداية جديدة للوصول.
ثم نسأل أنفسنا باستغراب وألم: لماذا حرم أطفالنا من كل هذا الجمال الذي تربينا عليه؟ أين ذهبت البرامج التي كانت تبني اللغة، وتنمي الخيال، وتغرس القيم، وتفتح أمام الطفل أبواب العلم والاكتشاف؟
نعيش اليوم عصر التكنولوجيا، ونمتلك أدوات لم تكن متاحة لأجيالنا، لكن هل يعني ذلك أننا أصبحنا أكثر قدرة على بناء عقول أطفالنا؟ وهل كل ما يشاهدونه اليوم يضيف إلى ثقافتهم، ويحسن لغتهم، وينمي قدرتهم على التفكير والإبداع؟
التكنولوجيا ليست عدوا للإنسان، بل فرصة عظيمة إذا أحسنا استخدامها. لكن المشكلة حين تصبح المشاهدات بديلا عن المعرفة، والسرعة بديلا عن التفكير، والاستهلاك بديلا عن الإبداع، وحين ينشغل الطفل بمحتوى يستهلك انتباهه، بدلا من محتوى يوقظ فضوله ويمنحه متعة التعلم.
وهنا أتساءل: ما نوع هذا العصر الذي نعيشه، إذا كانت البشرية تتقدم في صناعة الأجهزة والمنصات، بينما لا نمنح أطفالنا القدر الكافي من البرامج التي تبني عقولهم، وتحترم لغتهم، وتغذي خيالهم؟
إنه عصر قد يتحول فيه التقدم التكنولوجي إلى عصر لدفن البشرية، وعصر لوأد العلم، إذا تقدمنا في صناعة الأدوات وتراجعنا في بناء الإنسان.
فوأد العلم لا يكون بإغلاق الجامعات والمكتبات فقط، بل يبدأ أيضا حين نحرم الطفل من فضوله، ونعلمه استهلاك الإجابات دون أن نعلمه كيف يسأل ويفكر ويكتشف.
لسنا مطالبين بإعادة الماضي كما كان، بل بصناعة مستقبل أجمل لأطفالنا، من خلال برامج عربية تحترم عقولهم، وتثري لغتهم، وتعرفهم بالعلوم والفنون، وتعلمهم قيمة العمل، وشرف المحاولة، وفرحة النجاح بعد رحلة من التحديات.
نحتاج إلى إعلام يرى في الطفل إنسان المستقبل، لا مجرد مشاهد نبحث عن جذب انتباهه. ونحتاج إلى مؤسسات تربوية وثقافية وإعلامية تتعاون لتقديم محتوى يجعل المعرفة مغامرة ممتعة، والتكنولوجيا وسيلة للإبداع، واللغة العربية جسرا نحو العلم والحياة.
إن حنيننا إلى «افتح يا سمسم» ليس مجرد حنين إلى شخصيات أحببناها، بل هو حنين إلى زمن كانت فيه الحكاية تعلمنا، والكلمة تهذب ألسنتنا، والرحلة تمنحنا درسا في الحياة.
فإذا كانت الأجيال السابقة قد تعلمت من شاشة صغيرة حب اللغة والمعرفة، فما الذي يمنعنا اليوم، ونحن نمتلك كل هذه الإمكانات، من تقديم ما هو أجمل وأعمق لأطفالنا؟
فالتقدم الحقيقي ليس أن نعيش في عصر تزداد فيه الأجهزة ذكاء، بل أن نعيش في عصر يزداد فيه الإنسان وعيا، والطفل معرفة، والمجتمع قدرة على صناعة المستقبل.
ويبقى سؤالي لكل صناع الإعلام والتربية والثقافة:
أين افتح يا سمسم اليوم؟ ومن يعيد إلى طفولتنا العربية حقها في الجمال والمعرفة؟
لا تتركوا أطفالنا يكبرون في عالم مليء بالشاشات، فقير في الحكايات التي تبني الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى