الروهينغا في مهب النسيان.. بينما يبحث جنرالات ميانمار عن الشرعية الدولية

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

في الوقت الذي ينشغل فيه قادة ميانمار العسكريون بتثبيت شرعيتهم الدولية بعد الانتخابات الأخيرة، وفي الوقت الذي تدور فيه النقاشات داخل الأمم المتحدة والعواصم الإقليمية حول مستقبل السلطة في نايبيداو، هناك أكثر من 1.3 مليون إنسان يعيشون على هامش الاهتمام العالمي، ينتظرون حلاً يبدو أبعد من أي وقت مضى، إنهم الروهينغا.

الشعب الذي تحولت قضيته من واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية حضورًا في العالم عام 2017 إلى ملف يكاد يختفي تدريجيًا من أولويات المجتمع الدولي.

وخلال إحاطة صحفية في مقر الأمم المتحدة، رسمت المبعوثة الخاصة للأمين العام إلى ميانمار، جولي بيشوب، صورة قاتمة لمستقبل هذه الأقلية المسلمة التي لا تزال تعيش في مخيمات اللجوء داخل بنغلادش بعد ثماني سنوات من أكبر موجة نزوح شهدتها المنطقة في العصر الحديث.

فبحسب بيشوب، لم تعد المشكلة تتعلق فقط بعودة اللاجئين إلى ديارهم، بل بالسؤال الأكثر تعقيدًا: من يضمن أصلًا أن تكون هناك ديار يمكن العودة إليها؟

فولاية “راخين”، التي كانت موطن غالبية الروهينغا، لم تعد مجرد منطقة نزاع سياسي، بل تحولت إلى ساحة حرب مفتوحة بين الجيش الميانماري وجيش أراكان. وفي ظل هذا الواقع، تبدو فرص العودة الطوعية والآمنة والكريمة، التي تشكل شرطًا أساسيًا وفق القانون الدولي، بعيدة المنال.

الأخطر من ذلك أن الأمم المتحدة لا ترى أي مؤشرات مطمئنة من أي طرف مسيطر على الأرض. فإذا استعاد الجيش الميانماري السيطرة الكاملة على راخين، لا توجد ضمانات حقيقية بأن يسمح بعودة اللاجئين الذين فروا من حملاته العسكرية السابقة. أما إذا أصبحت المنطقة تحت نفوذ جيش أراكان أو إدارته السياسية، فإن المخاوف نفسها لا تزال قائمة، بحسب ما أكدته المبعوثة الأممية.

وهكذا يجد الروهينغا أنفسهم عالقين بين طرفين متصارعين، دون أن يمنحهما أي منهما الثقة أو الأمان اللازمين للعودة.

لكن المأساة لا تتوقف عند حدود ميانمار، ففي مخيمات كوكس بازار داخل بنغلادش، يعيش مئات الآلاف من اللاجئين في ظروف وصفتها جولي بيشوب بأنها مليئة باليأس وانعدام الأمل. أجيال كاملة نشأت داخل المخيمات دون جنسية، ودون حق في العمل، ودون فرص تعليم حقيقية، ودون أي رؤية واضحة للمستقبل.

وقالت المبعوثة الأممية إنها شاهدت بنفسها خلال زيارتها للمخيمات مستوى الإحباط الذي يسيطر على السكان، مؤكدة أن الشعور بالضياع أصبح السمة المشتركة بين معظم اللاجئين الذين يعيشون هناك منذ سنوات طويلة.

ومع تراجع الاهتمام الدولي بالأزمة وتقلص التمويل الإنساني العالمي، بدأت تظهر تداعيات أكثر خطورة. فعدد متزايد من الروهينغا بات يلجأ إلى شبكات تهريب البشر أملاً في الهروب من واقع المخيمات. وأشارت تقارير أممية إلى وقوع حوادث غرق مميتة لقوارب كانت تقل لاجئين حاولوا عبور البحر بحثًا عن مستقبل مجهول في دول أخرى.

وإذا كان اللاجئون يفقدون الأمل، فإن بنغلادش نفسها تواجه ضغوطًا متزايدة. فاستضافة أكثر من مليون لاجئ لسنوات طويلة تركت آثارًا اقتصادية واجتماعية وأمنية كبيرة على الدولة المضيفة، وهو ما يدفع الحكومة البنغلادشية إلى المطالبة بإيجاد حل دائم للأزمة بدلًا من إدارتها عامًا بعد عام.

وعندما سُئلت بيشوب عن دور الدول الإسلامية، أقرت بأن ماليزيا وإندونيسيا استقبلتا أعدادًا من الروهينغا، وأن منظمة التعاون الإسلامي لا تزال تطرح القضية في المحافل الدولية، لكنها أشارت أيضًا إلى أن الجهود الحالية لا ترقى إلى مستوى حجم المأساة أو حجم التحديات التي يواجهها اللاجئون.

وفي الوقت نفسه، يواصل المجتمع الدولي تركيز اهتمامه على مستقبل السلطة في ميانمار، وعلى الانتخابات والاعتراف الدبلوماسي والعلاقات مع المجلس العسكري، بينما يتراجع ملف الروهينغا تدريجيًا إلى الصفوف الخلفية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فبينما يسعى جنرالات ميانمار إلى الحصول على الشرعية الدولية والاعتراف السياسي، لا يزال أكثر من 1.3 مليون إنسان محرومين من أبسط أشكال الشرعية: حق الانتماء إلى وطن.

ولهذا يبدو أن السؤال الحقيقي اليوم لم يعد متعلقًا بمستقبل السلطة في ميانمار فقط.
بل بمستقبل شعب كامل أصبح عالقًا بين الحرب والنسيان.

فبعد ثماني سنوات من النزوح، لم يعد الروهينغا يبحثون عن الوعود.
بل عن دليل واحد يثبت أن العالم لم يتخلَّ عنهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى