أفق التغيير في إيران: بين استراتيجيات البقاء والضرورة الديمقراطية

 

بقلم / د.سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي

في مشهدٍ يعكس تحولاً في المقاربات الأوروبية تجاه الملف الإيراني، استضاف البرلمان الإيطالي في السادس عشر من يوليو 2026، مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية، وذلك في قاعة “ريجينا” بمجلس النواب، وبحضور واسع من النخب البرلمانية الإيطالية وشخصيات دولية بارزة. هذا الحدث لم يقتصر على كونه منصة خطابية، بل جاء متزامناً مع إعلان بيان وقّعته أغلبية أعضاء مجلسي النواب والشيوخ الإيطاليين، معلنين فيه دعمهم للحكومة المؤقتة للمجلس الوطني للمقاومة، في خطوة تعكس تحولاً ملموساً في الرؤية الأوروبية تجاه طبيعة التحدي الذي تفرضه السلطة الحاكمة في طهران.

معضلة “البقاء” وعبء السلام

يرتكز التحليل الاستراتيجي للسياسة الإيرانية اليوم على مفارقة جوهرية؛ فبينما يواجه النظام ضغوطاً اقتصادية واجتماعية داخلية متصاعدة، تظهر مؤشرات هيكلية على أن استراتيجية التوسع الخارجي وإشعال الحروبليست مجرد خيار تكتيكي، بل هي “صمام أمان” يمنع الانهيار الداخلي. وتؤكد التقارير الميدانية المستقلة وشهادات الناشطين تفاقم الأزمات الاقتصادية في إيران، حيث يتآكل الناتج المحلي في ظل مستويات تضخم قياسية وبطالة مستشرية. وفي هذا السياق، يبدو أن النظام يتعامل مع السلام كـ “حبل مشنقة”، حيث إن أي تراجع عن سياسات القمع أو التسلح النووي قد يفتح الباب أمام انفجار الاحتجاجات المكبوتة، وهو ما عبر عنه صراحة مسؤولون في طهران حين أشاروا إلى أن التراجع عن خطوطهم الحالية يمثل “التحدي الوجودي الأكبر.

الاستقرار الإقليمي كرهينة جيوسياسية

تفكيك بنية السياسة الإيرانية يكشف أن النظام قد رهن استقراره الإقليمي بجملة من الملفات الحساسة، وعلى رأسها البرنامج النووي وتصدير النفوذ عبر الأذرع الإقليمية. وتشير تقارير الرصد الدولية إلى أن النظام يواجه حالة من الانقسام الداخلي الحاد حول جدوى استمرار الحرب، وهو ما يفسر حدة التوتر في أروقة صنع القرار في طهران بعد توقيع أي تفاهمات تهدئة دولية. إن التحليل الموضوعي لمسار الأحداث يشي بأن استمرار الوضع الراهن لا يمثل خطراً على الداخل الإيراني فحسب، بل يمتد ليجعل المنطقة بأسرها في حالة تأهب دائمة، مما يقوض فرص التنمية المستدامة في الشرق الأوسط.

أزمة الحصانة والانتهاكات الممنهجة

تأتي المطالبات الدولية بتبني سياسة حازمة تجاه طهران في ظل سجل حقوقي يثير قلق المنظمات الدولية. فمنذ مطلع عام 2026، وثقت مراكز حقوقية ارتفاعاً مطرداً في أحكام الإعدام التي طالت طيفاً واسعاً من المعارضين والناشطين، فضلاً عن التضييق الممنهج على الأقليات الدينية، وهو ما توج بإدانات أممية صريحة إثر مصادرة ممتلكات كنسية في طهران. هذا الملف لم يعد شأناً داخلياً، بل تحول إلى أداة ضغط سياسي تفرض على المجتمع الدولي، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، إعادة تقييم جدوى سياسة “الاسترضاء” التي لم تثمر عن تغيير سلوك النظام، بل ربما منحت أجهزته الأمنية شعوراً بالحصانة لمواصلة ممارساتها.

الحل الثالث”: نحو بديل ديمقراطي

في خضم هذا المشهد المعقد، تطرح المقاومة الإيرانية ما تسميه “الحل الثالث”، وهو خيار يرفض ثنائية الحرب أو الاسترضاء، ويدعو عوضاً عن ذلك إلى دعم التغيير الشعبي المنظم. إن الاعتراف السياسي بهذا البديل – كما تجسد في المواقف البرلمانية الإيطالية – يشير إلى إدراك متزايد في العواصم الغربية بأن قوة التغيير الحقيقية تكمن في الداخل الإيراني. إن التوجه نحو تبني سياسة تدعم تطلعات الشعب في إقامة جمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة، وإلغاء عقوبة الإعدام، لم يعد خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة جيوسياسية لضمان أمن المنطقة.

استنتاجات استراتيجية

إن التحدي الذي يواجه أوروبا وإيطاليا اليوم هو الانتقال من منطق “تغيير السلوك” – الذي أثبتت التجربة عدم فاعليته – إلى منطق “التعامل مع التغيير”. فالمعطيات الراهنة تؤكد أن النظام وصل إلى مرحلة من الهشاشة تجعل من أي حركة منظمة دافعاً أساسياً للتحول السياسي. وفي هذا الإطار، يمثل دعم مسارات الديمقراطية في إيران الاستثمار الاستراتيجي الأكثر فعالية؛ ليس فقط لإنهاء دورة العنف، بل لفتح الباب أمام إيران مستقرة ومسالمة تعيد صياغة دورها الإقليمي كشريك في التنمية بدلاً من كونها مصدراً للأزمات. يبقى الاختبار الحقيقي في مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على مواءمة مواقفه السياسية مع هذه الحقائق الميدانية، وتحويل البيانات البرلمانية إلى استراتيجيات دبلوماسية ملموسة تضع أمن واستقرار الشرق الأوسط في مساره الصحيح.  

د.سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى