هدنة الطاقة بين موسكو وكييف.. وعود السلام تُختبر تحت سماء أوكرانيا

نيويورك – زينة بلقاسم – الأمم المتحدة
في الحروب القديمة، كانت الجيوش تقطع الجسور وخطوط الإمداد لإضعاف خصومها، أما اليوم فأصبحت محطات الكهرباء ومصافي النفط أهدافاً قادرة على تغيير حسابات المعركة. وبينما تتحرك واشنطن لفتح نافذة دبلوماسية بين موسكو وكييف، أفادت وكالة «رويترز» بأن الهجمات الروسية ليلة 13 أكتوبر لم تستهدف منشآت الطاقة الأوكرانية، للمرة الأولى منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب مبادرة «هدنة الطاقة» في 11 أكتوبر. لكن السماء لم تهدأ؛ إذ أعلنت كييف إسقاط 88 مسيّرة من أصل 108، وسط أضرار طالت 17 موقعاً وسقوط قتلى وجرحى في خاركيف. وهنا تبرز المفارقة: قد تتوقف الحرب على الكهرباء، لكنها تستمر على الأرض.
وراء هذا التحول تكمن حسابات اقتصادية وعسكرية دقيقة. فموسكو تدرك أن تعطيل الكهرباء والغاز يضغط على قدرة أوكرانيا على الصمود مع اقتراب الشتاء، بينما تستهدف كييف المصافي الروسية لإرباك الإمدادات العسكرية وتقليص العائدات النفطية. وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد أعلن في 12 أكتوبر تعرض ست منشآت طاقة على الأقل لهجمات روسية، فيما اكتفى الكرملين بتأكيد استمرار الاتصالات دون إعلان اتفاق نهائي. ومن منظور أمني، فإن تراجع استهداف محطات الكهرباء بالتزامن مع استمرار ضرب المرافق اللوجستية قد يشير إلى إعادة ترتيب الأولويات العسكرية، لكنه لا يثبت وحده وجود هدنة ملزمة.
أما واشنطن، فتتعامل مع الملف بمنطق براغماتي يجمع بين دعم الاستقرار الأوروبي، وتخفيف الضغوط على أسواق الطاقة، وتهيئة ظروف تفاوضية قابلة للتوسع. وبحسب «رويترز»، تزامنت المبادرة مع تحرك أميركي لتخفيف قيود مرتبطة بصادرات الديزل الروسية بنحو مليوني طن متري، أي ما يقارب 14.9 مليون برميل وفق التحويل التقريبي. وفي المقابل، تواصل أوروبا دعم القدرات الدفاعية الأوكرانية وممارسة الضغوط الاقتصادية على موسكو. إنها معادلة تجمع الدبلوماسية والردع والمصالح الاقتصادية، دون أن تعني بالضرورة اقتراب تسوية شاملة.
ويعيد المشهد إلى الذاكرة الحرب الكورية، حين بدأت مفاوضات الهدنة عام 1951، لكن المعارك استمرت حتى توقيع الاتفاق في 27 يوليو 1953. فالتفاوض لا يعني بالضرورة صمت المدافع. واليوم، يعتمد نجاح المبادرة على ثلاثة اختبارات: وقف متبادل للهجمات على منشآت الطاقة، وتحديد الأهداف المحمية بدقة، وإنشاء آلية موثوقة للتحقق من الالتزام. أما السيناريوهات فتتراوح بين هدنة تتوسع تدريجياً نحو تسوية سياسية، وتفاهم محدود يسمح باستمرار العمليات العسكرية، أو انهيار يعيد الطرفين إلى حرب استنزاف تستهدف الاقتصاد والبنية التحتية.
وبين مدن أوكرانية تستعد لشتاء جديد، ومصافٍ روسية تراقب خطر المسيّرات، وواشنطن تحاول تحويل المصالح المتعارضة إلى فرصة دبلوماسية، يبقى السؤال: هل نحن أمام بداية سلام أم مجرد تغيير في خريطة الأهداف؟ فالهدنة الحقيقية لا تقاس بالوعود ولا بعدد البيانات، بل بالصواريخ التي لا تُطلق والمنشآت التي تبقى آمنة. وقد تكون أولى علامات السلام أن تبقى أضواء المدن مشتعلة، لكن السلام الفعلي يبدأ عندما ينام سكانها دون خوف من صفارات الإنذار.



