خريطة الفساد العالمي 2025.. اتساع إمبراطورية المال والنفوذ وتراجع سلطة القانون

نيويورك – زينة بلقاسم –
تخيّلوا خريطة العالم وقد تراجعت حدود الدول أمام لون أحمر يمتد من أفريقيا إلى آسيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، بينما تحتفظ مناطق محدودة في شمال أوروبا وآسيا بدرجات أعلى من النزاهة المؤسسية. إنها ليست خريطة الحروب أو مناطق النفوذ العسكري، بل خريطة مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، التي نشرتها منظمة الشفافية الدولية في 10 فبراير 2026. شمل التقرير 182 دولة وإقليماً، وسجل متوسطاً عالمياً بلغ 42 نقطة من أصل 100، فيما حصلت 122 دولة وإقليماً، أي نحو 67%، على أقل من 50 نقطة. وتصدرت الدنمارك القائمة بـ89 نقطة، تلتها فنلندا بـ88 وسنغافورة بـ84، بينما جاءت الصومال وجنوب السودان في المؤخرة بتسع نقاط لكل منهما. ومنذ عام 2012، سجلت 31 دولة تحسناً ذا دلالة إحصائية، مقابل تراجع 50 دولة. هذه الأرقام لا تصف مجرد خلل إداري، بل تطرح سؤالاً جيوسياسياً أعمق: كيف تستطيع الدول حماية سيادتها ومصالحها الاستراتيجية عندما تصبح مؤسسات القرار عرضة لتأثير شبكات المال والنفوذ؟
لكن قبل تفسير الخريطة، ينبغي فهم ما تقيسه. فالمؤشر يعتمد على 13 مصدراً بحثياً دولياً تتضمن تقييمات الخبراء ومسؤولي الأعمال، ويقيس مدركات الفساد في القطاع العام، بما يشمل الرشوة والمحسوبية واختلاس الأموال واستغلال المناصب وضعف المساءلة. وتمنح هذه المنهجية المؤشر قيمة للمقارنة بين الدول وتتبع اتجاهاتها، لكنها لا تجعله سجلاً قضائياً للجرائم أو مقياساً لحجم الأموال المنهوبة. كما أنه لا يرصد بصورة مباشرة جميع أنشطة غسل الأموال والفساد في القطاع الخاص. وتكمن إحدى أهم ثغرات النظام المالي العالمي في هذا الفصل بين مكان وقوع الفساد ومكان استقرار عائداته؛ فقد تبدأ الصفقة المشبوهة في دولة تعاني ضعف الرقابة، بينما تنتقل أرباحها عبر شركات وسيطة وحسابات دولية إلى مراكز مالية أكثر استقراراً. وهكذا يصبح الفساد ظاهرة عابرة للحدود، تتداخل فيها هشاشة المؤسسات المحلية مع قدرة الشبكات المالية الدولية على إخفاء مصادر الثروة وملكيتها.
وفي الشرق الأوسط، تكشف النتائج تفاوتاً في قدرة الدول على ضبط العلاقة بين السلطة والمال. فقد سجلت الإمارات 69 نقطة، وقطر 58، والسعودية 57، وعُمان 52، والبحرين والأردن 50 لكل منهما، والكويت 46، مقابل 39 للمغرب وتونس، و34 للجزائر، و30 لمصر، و28 للعراق، و23 للبنان وإيران، فيما جاءت سوريا بـ15 نقطة واليمن وليبيا بـ13 نقطة لكل منهما. ومن منظور جيوسياسي، لا ترتبط هذه الفوارق بحجم الثروة وحده، بل بفعالية المؤسسات وقدرتها على إدارة الموارد ومراقبة الإنفاق واستمرار الخدمات. ففي الدول النفطية، قد يؤدي تركّز الإيرادات في يد الدولة إلى زيادة أهمية الرقابة على العقود والمشتريات وتوزيع الإنفاق العام. أما الدول التي تعاني الحروب والانقسامات، فتواجه خطراً أشد يتمثل في تراجع سلطة المؤسسات وتعدد مراكز القرار والسيطرة على الموارد. وتصبح المشكلة استراتيجية عندما تفقد الدولة القدرة على توجيه ثروتها نحو التنمية، أو عندما تؤثر شبكات المصالح في قراراتها الاقتصادية والأمنية وعلاقاتها الخارجية.
أما في الدول الغربية، فتكشف النتائج عن تحديات مختلفة، رغم استمرار قوة مؤسساتها الرقابية والقضائية. فقد سجلت الولايات المتحدة 64 نقطة، وفرنسا 66، والمملكة المتحدة 70، وكندا 75. ولا تعني هذه الدرجات تساويها مع الدول منخفضة الأداء، لكنها تشير إلى أهمية مواصلة تطوير قواعد الشفافية والتمويل السياسي وتضارب المصالح. فالعلاقة بين الشركات الكبرى والحكومات ومجموعات الضغط جزء من صناعة القرار في الاقتصادات الحديثة، والمساءلة المؤسسية هي التي تحدد مدى خضوع هذه العلاقات للقانون. وعلى المستوى الدولي، تتضاعف حساسية المسألة عندما تتداخل العقود الدفاعية ومشاريع البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة مع المنافسة بين القوى الكبرى. فالنفوذ الاقتصادي المشروع يقوم على الاستثمار والتبادل والمنافسة، بينما يبدأ الخلل عندما تتحول العلاقات الخاصة إلى وسيلة للحصول على امتيازات عامة خارج قواعد الشفافية والمساءلة.
وتكشف القراءة الأعمق أن الفساد لا يضعف الاقتصاد فحسب، بل قد يغيّر ميزان القوة بين الدول. فالحكومة التي تتسرب مواردها عبر العقود غير التنافسية والإنفاق غير الخاضع للرقابة تفقد جزءاً من قدرتها على تطوير التعليم والصناعة والدفاع والبنية التحتية. كما يمكن أن تصبح أكثر اعتماداً على التمويل الخارجي، أو أقل قدرة على التفاوض بشأن الاستثمارات الاستراتيجية. وفي الدول الهشة، قد يؤدي تنافس شبكات المصالح على الموارد إلى إضعاف احتكار الدولة المشروع للقوة وتعقيد التسويات السياسية. أما في العلاقات الدولية، فقد تتحول مكافحة الفساد وغسل الأموال إلى أدوات للتعاون القضائي والمالي، وإلى عناصر مؤثرة في تقييم مخاطر الاستثمار والامتثال المصرفي. ولذلك فإن الفساد لم يعد قضية أخلاقية داخلية فقط؛ بل أصبح عاملاً قد يمس الاستقلال الاقتصادي والقدرة التفاوضية والأمن الوطني.
وتفسر هذه الأبعاد لماذا يستمر الفساد رغم انتشار التشريعات والهيئات الرقابية. فالمشكلة ليست دائماً في غياب القانون، بل في تفاوت القدرة على تطبيقه، خصوصاً عندما تتداخل السلطة السياسية بالمصالح الاقتصادية أو تتراجع استقلالية القضاء والرقابة. وقد وجدت الشفافية الدولية أن 36 دولة من بين 50 دولة سجلت أكبر تراجع في درجات المؤشر شهدت أيضاً تقلصاً في الحريات المدنية، وهو ارتباط يستحق الدراسة دون اعتباره تفسيراً وحيداً للظاهرة. وتزداد المخاطر أثناء الحروب والطوارئ، حين تتسارع قرارات الإنفاق وتضعف إجراءات التدقيق التقليدية. وفي عصر التحويلات الرقمية والشركات العابرة للحدود، تستطيع الأموال الانتقال بسرعة تفوق أحياناً قدرة المؤسسات الوطنية على تتبعها. ومن هنا تبرز أهمية التعاون الدولي في الإفصاح عن المستفيد الحقيقي من الشركات، ومراقبة المشتريات العامة، واسترداد الأصول غير المشروعة، وحماية استقلال القضاء وأجهزة الرقابة.
وتكشف الخلاصة الجيوسياسية أن أخطر ما تعكسه خريطة الفساد لعام 2025 ليس عدد الدول المتراجعة وحده، بل العلاقة بين تراجع المساءلة وتآكل قدرة الدولة على استخدام مواردها لخدمة مصالحها الوطنية. فالدولة التي تمتلك النفط أو المعادن أو الموقع الجغرافي الاستراتيجي لا تتحول تلقائياً إلى قوة اقتصادية مؤثرة؛ إذ تحتاج إلى مؤسسات تستطيع تحويل تلك الموارد إلى إنتاجية واستثمار وخدمات عامة. كما أن المؤشر لا يثبت وجود شبكة عالمية واحدة تدير الفساد، لكنه يسلط الضوء على أنماط متشابهة من تداخل المصالح وضعف الرقابة، تختلف شدتها بين البلدان. وفي عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على الطاقة والتكنولوجيا وطرق التجارة، تصبح النزاهة المؤسسية جزءاً من عناصر القوة الوطنية، لا مجرد معيار إداري.
وهنا يعود المشهد إلى الخريطة الأولى، لكن بألوان تحمل معنى مختلفاً: فالأحمر لا يعكس الفقر وحده، والأصفر لا يمنح حصانة مطلقة، وإنما يشيران إلى تفاوت قدرة المؤسسات على منع استغلال السلطة للمصلحة الخاصة. والسؤال الحاسم ليس أي الدول تمتلك الثروات الأكبر، بل أيها يمتلك مؤسسات قادرة على حمايتها من الهدر واستثمارها عبر الأجيال. ففي القرن الحادي والعشرين، قد تمتلك الدولة موارد ضخمة ونفوذاً دولياً واسعاً، لكن استدامة قوتها ستظل مرتبطة بقدرتها على ضمان أن القرار العام تحكمه المؤسسات والقانون، لا المصالح الخفية.



