بين صناديق الاقتراع وفوهة البندقية: حكاية زمنين في عالم واحد

FYE- HN

 

✍️ نيويورك – هيثم جسار

في الوقت الذي يستيقظ فيه الأمريكيون صباحاً ليتجهوا في طوابير هادئة نحو صناديق الاقتراع، ممارسين حقهم الطبيعي في اختيار ممثليهم في مجلسي الشيوخ والنواب، ترسم الكاميرات صورة مجتمع يمارس سيادته، حيث يُحسم الصراع السياسي ببطاقات الورق وتحت سقف القانون والدستور. هناك، يملك المواطن البسيط رفاهية الاعتراض والتغيير عبر صوت يضعه في صندوق شفاف ليحدد شكل المستقبل. لكن على الضفة الأخرى من هذا العالم المعاصر، وفي بقعة أثقلتها جراح الحرب والفقر، تعيش اليمن مفارقة تاريخية مؤلمة وواحدة من أسوأ الفترات في تاريخها الحديث.

لقد كان اليمنيون، في لحظات ليست ببعيدة، يتطلعون نحو حلم لبناء دولة مدنية تتسع للجميع، دولة تحكمها صندوق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة، وكان يُفترض بها اليوم أن تكون مضماراً لتنافس سياسي حضاري يُبنى فيه الوطن بأصوات أبنائه لا بجثثهم. غير أن هذا المسار التجريفي لم يتوقف عند حد مصادرة الصوت السياسي فحسب، بل امتد ليتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن اليمني، بعدما أصرت جماعة الحوثي على تجريف التوافق الوطني والإطاحة بآمال الاستقرار، سالكة طريق الانقلاب وناسجة واقعاً قسرياً يقوم على فرض السيطرة بقوة السلاح ومنطق الإخضاع القهري.
وهكذا، وبينما يناقش الأمريكي برامج ممثليه المستقبلية والحلول الاقتصادية للتعليم والصحة تحت قبة الكونغرس، يجد المواطن اليمني نفسه يخوض معركة يومية مضنية لمجرد البقاء على قيد الحياة. لقد حلّ صمت المدارس المتهدمة وطوابير الأزمات المعيشية محل طوابير الناخبين، وغابت حرية التعبير والتفكير ليعلو بدلاً منها صوت البارود وشعارات الجماعة القسرية. إن الفارق بين المشهدين لا يعكس مجرد مسافة جغرافية بين قارتين، بل يجسد الفجوة العميقة بين شرعية تُستمد أصالةً من إرادة الناس الحرة، وبين سلطة أمر واقع تُسلط على الرقاب عبر فوهة البندقية، حارمةً شعباً بأكمله من حقه البديهي في اختيار من يحكمه وفي تقرير مصيره.

هيثم جسار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى