هزيمة ترامب وحربي إيران واليمن … خروج السعودية من فكي الكماشة

الرئيس ترامب

 

 

✍️ (عبدالقادر الجنيد)

***
٤ نوفمبر ٢٠٢٦

هزيمة ترامب، هي كبرى وكل المحللين يقولون أنها فاقت كل التوقعات وأنها غير مسبوقة.
عادة يخسر الحزب الحاكم الانتخابات النصفية، ويطلقون على الرئيس الأمريكي في السنتين الباقيتين له في البيت الأبيض ب “البطة العرجاء”؛
… ولكن هزيمة ترامب هذه المرة فاق الحد.

**
أولا: هزيمة ترامب: كبيرة
**

انتصر الحزب الديموقراطي على الحزب الجمهوري في مجلسي الكونجرس: الشيوخ والنواب، وقد حسم الأغلبية حتى الآن ومازال هناك المزيد من المقاعد بالانتظار.

الهزيمة كبرى، وسببها، هو: ترامب بالدرجة الأولى.

ترامب خسر أولا المستقلين.
ثم خسر أعضاء حزبه الجمهوريين.
ثم تعرض لضربة غير متوقعة من الديموقراطيين عندما غزوا معاقل الجمهوريين في إيوا، أوهايو، كارولينا الجنوبية، تكساس وكانساس اللاتي لم تنتخب مرشحا ديموقراطيا منذ عقود طويلة.

حاول الجمهوريون تخويف الناخبين بالاشتراكية والليبرالية والإسلام ولكن كل ذلك لم يجديهم نفعا.

وفقد ترامب أصوات الأقليات- وخصوصا اللاتينية- بسبب سياسات الهجرة والترحيل القسري.

الضربة القاصمة جاءت من معاناة الناخبين من ارتفاع أسعار البقالة، والبترول، ودفع أقساط البيوت، وفواتير الخدمات الصحية، ورفع التعريفة الجمركية، وحرب إيران، والإثراء الشخصي لترامب وأسرته وأصدقائه.

خسارة ترامب شخصيا
*
حجم الهزيمة لم تكن مجرد هزيمة سياسية للحزب الجمهوري والتيارات المحافظة فحسب، ولكن هزيمة وإهانة شخصية لترامب بالدرجة الأولى.

ترامب خسر جزءا من رصيده السياسي بسبب الفجوة بين وعوده الانتخابية وما وجده الناخب في حياته اليومية.
وعدهم بعدم دخول الحروب الطويلة التي لا تنتهي، وأن أمريكا سوف تعود عظيمة من جديد، وأن الأسعار سوف تنخفض، ولكنه بيده وأفعاله والتعريفة الجمركية وحرب إيران عمل العكس تماما.

وطبعا بالإضافة للإثراء الشخصي له ولأبنائه وأصدقائه.

جراح “الأنا”
*
سوف يصاب ترامب بالضعف والجراح، وسوف يكون مثيرا بالنسبة لنا كلنا مراقبته وهو يحب الافتخار والفشر و “الزنط” بمواهبه وإنجازاته.
وما تأثير كل هذا على “الأنا” Ego المنفوخة.

الفقراء والبطة العرجاء
*
لن نتوغل في تفاصيل التغييرات الحاسمة في السياسة الداخلية لأمريكا وعلى رأسها رفع الضرائب على الأغنياء للإنفاق على الخدمات الاجتماعية والصحية والفقراء.

من المتوقع أن تحدث تغييرات درامية ومن المتوقع أن يعارضها ترامب ومن المتوقع أنه لن يستطيع عمل أي شيء ضدها، ومن هنا جاء الوصف بأنه من المتوقع أن يكون “بطة عرجاء” في السياسات الداخلية.

التفاصيل بشأن تغيير سياسة أمريكا تجاه فلسطين واسرائيل، وتجاه حرب أوكرانيا، كثيرة ومعقدة وهي أيضا ليست موضوع اليوم.

سوف نهتم أكثر بتغير سياسات أمريكا في حربي إيران وحرب اليمن.
وما سيفعل ترامب بعد الهزيمة.

**
ثانيا: هزيمة ترامب وحرب إيران
**

١- البطة العرجاء تستأنف الحرب
*
إذا وجد ترامب أن “الأنا” المنفوخ بداخله لا يتحمل حالة “البطة العرجاء”، فقد يهرب من من قرصات وبقصات السياسات الداخلية باستئناف ضرب إيران ليسرق الأضواء.

معظم أمريكا لا تريد استئناف الحرب وعلى رأسهم هؤلاء الذين فازوا يوم أمس بالانتخابات، ولكن الرئيس الأمريكي معه ما يسمونه “الصلاحيات التنفيذية” Executive Power التي تمكنه من تخطي الكونجرس والرأي العام.

قد يرضي هذا حاجة ترامب للنجومية و “الأنا” المنفوخة”، ولكن بتكاليف كبيرة له ولأمريكا ولما سيحدث له ولما سيكتبه التاريخ عنه.

الصلاحيات التنفيذية تبقى قائمة، لكن السيطرة الديمقراطية تضع حدا فعليا على التمويل المستمر والغطاء السياسي الطويل، وهذا يرفع تكلفة أي تصعيد مفتوح.

احتمال استئناف الحرب ضد إيران، يتضاءل.

٢- البطة العرجاء تتحمل آلام “الأنا”
*
إذا تغلب ترامب على آلام انخفاض شعبيته عند الأمريكيين، وعاد لعقلية رجل الصفقات الذي يدرك أن الدنيا فيها المكسب والخسارة، فإنه سيفكر في مخارج جديدة ويصفها ب “العبقرية”.

عبقرية ترامب “الشهيرة” قد تدله على استمرار حصار إيران أو عقد صفقة سياسية.
… ولكن هذا له مخاطره أيضا.

**
ثالثا: هزيمة ترامب واستمرار حصار إيران
**
١- ترامب يحاصر
*
يواصل خنق إيران اقتصاديا، ويتجنب حربا مفتوحة تزيد أسعار النفط وتغضب الناخب الأمريكي.
هناك تيار واسع داخل البيت الأبيض وبين مساعدي ومستشاري ترامب أنفسهم يفضلون هذا المسار.
وكذلك الحزب الديموقراطي أيضا، لا يريد دولة إيرانية قوية منتصرة.

يتفق الديموقراطيون مع الجمهوريين على عدم التساهل مع إيران ولكنهم يختلفون على طريقة إيقافها عند حدها.

احتمال استمرار الحصار والضغط الاقتصادي قائم.

٢- لكن هناك خطر على السعودية
*
لكن الخطورة، هي أن إيران تراقب كل هذا وترى بأن أمريكا قد عزفت عن الحرب، وعلى هذا فسوف يكون مناسبا لطهران أن تضغط على السعودية ودول الخليج العربية وتذيقها صنوف العذاب والغرامات التي تجعلها تستسلم لرغبات الإيرانيين مع صرف النظر عن رغبات أمريكا أو احتجاجاتها.

٣- ثم تظهر الصين
*
هذا سوف يكون أمرا مماثلا لمصالحة السعودية مع إيران برعاية الصين.
سوف ترحل الرياض عندئذ أخطار نوايا إيران الدفينة على المملكة لتصاريف القدر أو لسنوات المستقبل.
أما اليمن، فسوف تكون الضحية.
مصالحة السعودية مع إيران تنتج أشياء غير محمودة مثل “خارطة طريق اليمن” التي هي لصالح الحوثيين.

**
رابعا: هزيمة ترامب وعقد صفقة مع إيران
**

قد يحاول ترامب، هو بنفسه مصالحة إيران.

يحاول الوصول إلى اتفاق مع إيران، ويقدم ذلك باعتباره انتصارا شخصيا له، وانتصارا للسياسة الأمريكية.

هذا بالتأكيد سوف يكون على حساب السعودية ودول الخليج العربية… واليمن.

زيارة لأفكار كيسنجر
*
بالمناسبة، هناك أصلا تفكير ينسب إلى هنري كيسنجر قبل أكثر من ١٠ سنوات— وقد كتبنا عنه بالتفصيل من قبل وعدة مرات— بأنه يمكن التعامل مع إيران مثلما تعامل ميترنيخ مع فرنسا الملكية ما بعد حروب نابوليون.

كانت فرنسا تشاغب الإمبراطوريات الأوروبية، ولما أعطوها مصالح اقتصادية ومستعمرات فإن دول أوروبا التي لم تتوقف عن شن الحروب على بعضها طوال الألف السنة الماضية، تمكنت من الاستقرار لمدة ١٠٠ سنة حتى نشبت الحرب العالمية الأولى.

وكان اقتراح كيسنجر أن تعطي أمريكا الحق لإيران بممارسة النفوذ على دول الخليج والمنطقة مقابل ضمان عدم مشاكسة اسرائيل، واستقرار أسواق النفط، وحرية الملاحة في الممرات المائية.
المهم هو الاستقرار بحسب رؤية كيسنجر.

**
خامسا: واجب السعودية واليمن
**

هذا الواجب، هو تأريخي وحتمي بهزيمة ترامب أو بدون.

١- فصل حرب إيران عن حرب اليمن
*
ارتباط حرب إيران مع حرب اليمن، يضع السعودية بين فكي كماشة.

السعودية، يجب أن تبذل كل الجهد لفصل حرب الخليج عن حرب اليمن.
تقديم السعودية تساهلات في مضيق هرمز ودفع نفقات وتعويضات لإيران يمكن تحمله ويمكن المماطلة بشأنه في المستقبل.

أما سيطرة الحوثيين على باب المندب والبحر الأحمر واليمن، فهو أمر مختلف تماما.

٢- الحوثية تهديد أبدي للسعودية
*
هذا تهديد مخيف على النظام الحاكم في السعودية وعلى الثروات السعودية وعلى مكانة السعودية في صدارة العالم الإسلامي.
هذه امور يشرحها السعوديون أنفسهم ولا حاجة هنا لإعادة تفاصيلها.

إذا تغافلت الرياض الآن عن الحوثية فانها أيضا تتغافل عن مستقبل السعودية.

**
سادسا: اليمن الآن استثمار سعودي للمستقبل
**

ما ينفع اليمن اليوم، هو ما ينفع السعودية غدا.
ولا يجب ربط مصير اليمن بهزيمة ترامب أو بسياساته المتقلبة تجاه إيران.

يجب أن تثبت السعودية في سياساتها بشأن اليمن بصرف النظر عن تقلبات سياسات أمريكا والصين وروسيا.

هذه أمور أمن قومي حيوية ومصلحة عليا للسعودية… وبالتأكيد لليمن.

والسعوديون أنفسهم يقولون وعلى لسان مليكهم سلمان أن “أمن اليمن هو أمن السعودية”.

هذا بالتأكيد من حظنا في اليمن إذا أحسن السعوديون الأداء.

وفيما يلي وصفة تحسين الأداء السعودية-اليمنية.

**
سابعا: إنقاذ اليمن
**

اليمن، لا يجب أن تنتظر ما ستقرره واشنطن أو طهران أو الرياض.

على اليمنيين والسعوديين أن يبنوا منظومة سياسية وعسكرية واحدة، قادرة على اتخاذ القرار وتحمل مسؤولية نتائجه.

لن ينقذ اليمن إلا:
(١) القيادة الواحدة الواضحة.

(٢) العمل ك “منظومة” عسكرية وسياسية واحدة.

(٣) تتحمل “اللجنة العسكرية العليا” مسؤولية الهزيمة أو النصر في كل الجبهات في نفس الوقت.

خاتمة
*
“اللجنة العسكرية العليا”،
موجودة فعلا تحت قيادة الفريق أول ركن السعودي فهد السلمان.
ومهمتها توحيد القيادة والتجهيز، لكن الحد الفعلي يبقى قدرتها على فرض عمل “منظومة واحدة” على كل الجبهات في وقت واحد.

“المنظومة”،
الاعتماد على سراب الوعود الخارجية متغير ومتقلب، بينما بناء “المنظومة السياسية والعسكرية الذاتية” هو الوحيد الذي يصنع الثبات ويحمي الأمن القومي في اليمن والمنطقة.

مستقبل اليمن مهم لمستقبل السعودية وليس مجرد ورقة في صفقة إقليمية.
كما تفعل السعودية من أجل نفسها ومن أجل اليمن،
فإن اليمن تعمل من أجل نفسها ومن أجل السعودية.

نقلا من صفحة الكاتب على فيسبوك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى