الديمقراطية حسب المقاس: تونس، ساحة النفوذ طلب الخضوع باسم الحرية وحقوق الإنسان

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

لم تعد تونس، منذ 14 يناير 2011، مجرد بلد خرج من نظام سياسي سلطوي إلى تجربة انتقالية جديدة، بل أصبحت ملفًا مفتوحًا في نشرات و وثائقيات وبرامج حوارية خاصة تتناولها قنوات معروفة مثل BBC وDW وفرانس 24 وقنوات أوروبية وعربية أخرى، ومادة دائمة في تقارير المنظمات والتصنيفات والمؤسسات المالية، وكأنها دولة لا يحق لها أن تتعافى بطريقتها أو أن تختار نموذجها السياسي وفق إرادتها الشعبية. والحقيقة أن السؤال لم يعد: هل تونس ديمقراطية أم لا؟ بل أصبح: من يملك حق تعريف الديمقراطية؟ ومن يقرر متى تكون حقوق الإنسان مبدأً ومتى تتحول إلى أداة ضغط؟ ومن الذي جعل تونس، الدولة الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها نحو 12.3 مليون نسمة سنة 2024، مطالبة بأن تُرضي عواصم ودوائر ضغط ومؤسسات تصنيف وقنوات تلفزيونية أكثر مما تُرضي شعبها؟

وقبل الحديث عن تونس ما بعد 2011، لا بد من العودة إلى المسار الذي بدأت ملامحه منذ دولة الحبيب بورقيبة، الرجل الذي قاد تونس بعد الاستقلال سنة 1956 وحاول بناء دولة حديثة تقوم على التعليم والصحة والإدارة والمؤسسات، ولذلك تحولت تونس خلال عقود إلى واحدة من أبرز الدول العربية والأفريقية في نسب التمدرس، وحقوق المرأة، والتنظيم الإداري، والانفتاح المجتمعي، حتى أصبحت توصف لسنوات بأنها “منارة” في شمال أفريقيا على مستوى التعليم والصحة والطبقة الوسطى والاستقرار الاجتماعي. ثم جاء زين العابدين بن علي سنة 1987 ليواصل النهج نفسه اقتصاديًا وإداريًا وتنمويًا، مع تشديد القبضة الأمنية وتحكيم سيطرة الدولة خوفًا من انزلاق البلاد نحو الفوضى أو التطرف، خصوصًا في ظل تصاعد التهديدات الإرهابية التي عرفتها المنطقة لاحقًا. ولذلك، ورغم ما وُجه إلى نظامه من انتقادات تتعلق بالاستبداد السياسي والتضييق على المعارضة وهيمنة الأجهزة الأمنية، لم تكن تونس في تلك المرحلة دولة مفككة أو اقتصادًا منهارًا أو مجتمعًا ممزقًا كما أصبحت في سنوات لاحقة. فقد كانت الدولة قائمة، والإدارة تعمل، والسياحة تمثل رافدًا مهمًا، والتعليم والصحة والخدمات العمومية أكثر انتظامًا مما صار لاحقًا، كما أن الدين العام كان في حدود 38.8% من الناتج المحلي سنة 2010، قبل أن يقفز لاحقًا إلى 85.66% سنة 2024، أي إن عبء الدين تضاعف بأكثر من مرتين خلال ما بعد الثورة، وهذا وحده يكفي لفهم معنى أن تتحول “الحرية السياسية” غير المحصنة بمؤسسات قوية إلى باب واسع للمديونية والتبعية والضغط الخارجي.

أما العملة التونسية، فهي مرآة أخرى للانزلاق. فالدينار كان في حدود تقارب 1.43 دينار للدولار سنة 2010، ثم وصل متوسطه إلى 3.111 دينار للدولار سنة 2024، بينما بلغ متوسط اليورو سنة 2024 نحو 3.367 دينار، بعدما كان يدور تقريبًا حول 1.90 دينار في بداية العقد السابق. وهذا يعني أن المواطن الذي كان يحتاج قرابة 1430 دينارًا لشراء 1000 دولار سنة 2010، أصبح يحتاج في 2024 إلى أكثر من 3110 دنانير، وأن من كان يحتاج نحو 1900 دينار لشراء 1000 يورو صار يحتاج إلى نحو 3367 دينارًا، ولذلك لا يمكن فصل انهيار القدرة الشرائية عن تراجع قيمة الدينار، ولا يمكن الحديث عن “نجاح التجربة” بينما جيب المواطن هو أول شاهد على الفشل.

والأمر نفسه يظهر في البطالة، إذ كان معدل البطالة في تونس سنة 2010 يدور حول 13%، ثم قفز بعد الثورة إلى مستويات قاربت 18% في 2011، وظل بعد ذلك عالقًا في مستويات مرتفعة قاربت 15% و16% لسنوات طويلة، بينما بقي المواطن يسمع يوميًا عن الديمقراطية والحريات والانتقال السياسي، دون أن يرى تحسنًا حقيقيًا في العمل أو المعيشة أو الكرامة الاجتماعية. وهنا بدأ جزء كبير من التونسيين يطرح سؤالًا موجعًا: ما قيمة الحريات إذا كانت لا توفر خبزًا ولا عملًا ولا استقرارًا؟ وكيف تحولت الشعارات التي رفعت باسم الكرامة إلى لعنة اقتصادية واجتماعية دفعت آلاف الشباب إلى البحر والمجهول؟

ولأن الأرقام لا تكذب، فإن الناتج المحلي للفرد، محسوبًا بالدولار الجاري، بلغ نحو 4181 دولارًا سنة 2024، في حين ارتفعت نسب الفقر وتراجعت القدرة الشرائية وازدادت الهجرة، كما سجلت منظمات حقوقية تونسية وفاة أو فقدان 1313 مهاجرًا قبالة السواحل التونسية سنة 2023 وحدها، بينما تحولت البلاد إلى منصة عبور وأزمة دائمة مرتبطة بالهجرة غير النظامية، في وقت كانت فيه الدول الأوروبية تضغط على تونس لتلعب دور “الحارس الحدودي” للمتوسط مقابل دعم مالي مشروط واتفاقيات مرتبطة بالهجرة والتصنيفات الاقتصادية.

وفي خضم هذا المشهد، برز الإسلام السياسي، وتحديدًا حركة النهضة بقيادة راشد الغنوشي، باعتباره القوة الأكثر تنظيمًا بعد 2011، غير أن السنوات التي تلت صعود الحركة لم ترتبط في ذاكرة جزء واسع من التونسيين فقط بصناديق الاقتراع، بل ارتبطت أيضًا بسنوات الدم والخوف والانقسام، إذ شهدت البلاد اغتيال شكري بلعيد في 6 فبراير 2013 ومحمد البراهمي في 25 يوليو 2013، إضافة إلى هجمات إرهابية دامية في جبل الشعانبي وباردو وسوسة، كما أصبحت تونس من أبرز الدول المصدرة للمقاتلين إلى بؤر التوتر، وهو ما جعل كثيرين يصفون تلك المرحلة بالعشرية السوداء أو القاتمة، لأنها لم تجلب للدولة استقرارًا ولا تنمية، بل مزيدًا من التبعية والفوضى والمحاصصة والفساد.

وفي المقابل، كانت القنوات الغربية والأوروبية تواصل الحديث عن “النموذج الديمقراطي”، رغم أن الدول نفسها التي تعطي الدروس في حقوق الإنسان والحريات تعاني أزمات عميقة داخلها، من قمع الاحتجاجات إلى فضائح الفساد والعنصرية والتمييز والانتقائية في التعامل مع المهاجرين. ففي فرنسا، مثلًا، شهدت احتجاجات السترات الصفراء بين 2018 و2019 اعتقالات تجاوزت 11 ألف شخص، كما انفجرت فضائح فساد داخل مؤسسات أوروبية كبرى، ووُجهت اتهامات لشخصيات سياسية بارزة، فضلًا عن قضايا نيكولا ساركوزي المتعلقة بالفساد والتمويل غير المشروع، وهو ما يكشف أن الفساد ليس حكرًا على الدول التي يصنفونها فقيرة أو نامية، بل موجود حتى داخل المنظومات التي تقدم نفسها باعتبارها المثال الأعلى للنزاهة والديمقراطية.

ومن هنا، فإن ما جرى في تونس بعد 2011 لم يكن مجرد انتقال سياسي، بل كان انتقالًا من دولة مستقرة أمنيًا واجتماعيًا رغم استبدادها السياسي، إلى دولة أنهكتها الفوضى والصراعات والانقسامات والضغوط الخارجية، ولذلك جاء قيس سعيد سنة 2019 عبر صناديق الاقتراع وبأغلبية شعبية واضحة، في لحظة شعر فيها جزء واسع من التونسيين أن الدولة توشك على الانهيار. ولم يرث الرجل اقتصادًا مزدهرًا أو مؤسسات قوية، بل ورث تركة ثقيلة من الديون والبطالة والمحسوبية والإرهاب والفساد والتبعية، ولهذا يعتبر أنصاره أن ما يحدث اليوم ليس عودة إلى الوراء، بل محاولة لإصلاح ما أفسدته عشرية كاملة من الصراعات والارتهان والانهيار التدريجي للدولة.

ولذلك لم تعد القضية بالنسبة إلى كثير من التونسيين مجرد نقاش نظري حول الديمقراطية والحريات، بل أصبحت معركة تتعلق بالسيادة الوطنية وبحق الدولة في أن تستعيد نفسها، لأن الشعوب لا يمكن أن تعيش بالشعارات وحدها، ولا يمكن أن تبني مستقبلها فقط عبر صناديق اقتراع إذا كان الاقتصاد منهارًا والدولة ضعيفة والمجتمع مفككًا. فالديمقراطية التي لا توفر للإنسان خبزًا ولا عملًا ولا كرامة ولا أمنًا تتحول مع الوقت من حلم إلى عبء، ومن وعد بالحرية إلى لعنة اجتماعية واقتصادية، وهو ما جعل الدولة التونسية اليوم تحاول، وسط كل الضغوط والتصنيفات والاتهامات، إعادة بناء ما تهدم خلال سنوات طويلة ووقف مسار الانهيار الذي بدأ بعد ما سُمي بالثورة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى