حرب الاستنزاف الكبرى بين أوكرانيا و روسيا

 

نيويورك  – رشادالخضر – ألأمم المتحدة

تأخذ العالم منطق “العين بالعين” لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية تُختصر بصورة دبابة روسية تتقدم أو مدينة أوكرانية تتعرض للقصف. المشهد تبدّل بالكامل. أوكرانيا التي بدأت الحرب وهي تدافع عن كييف وخاركيف وأوديسا، تحولت خلال العامين الأخيرين إلى طرف يهاجم العمق الروسي نفسه، مستهدفًا منشآت الطاقة والكهرباء والمطارات والقواعد العسكرية وحتى الشخصيات الأمنية والعسكرية الروسية. ومع كل ضربة أوكرانية، يأتي الرد الروسي أعنف وأكثر اتساعًا، وكأن الحرب دخلت مرحلة جديدة عنوانها: “العين بالعين… والبادئ أظلم”.
في البداية، راهنت موسكو على حرب خاطفة تُسقط كييف سياسيًا وعسكريًا خلال أسابيع، لكن الحرب تحولت سريعًا إلى واحدة من أعقد حروب الاستنزاف في القرن الحادي والعشرين. الغرب ضخ السلاح والمال والتكنولوجيا، وأوكرانيا أعادت بناء نفسها عسكريًا على نمط جديد يعتمد على المسيّرات، والذكاء الاصطناعي، والاستهداف العميق، والحرب الإلكترونية. وبحلول 2025 و2026، بدأت كييف تُظهر قدرات لم تكن تملكها أصلًا عند بداية الحرب.
المفاجأة الكبرى بالنسبة لروسيا لم تكن فقط استمرار أوكرانيا في القتال، بل قدرتها على نقل الحرب إلى الداخل الروسي. منشآت نفطية في بيلغورود وكورسك وروستوف تعرضت لهجمات متكررة، ومحطات كهرباء وخطوط سكك حديدية ومطارات عسكرية أصبحت ضمن بنك الأهداف الأوكراني. حتى موسكو نفسها لم تعد بعيدة عن المسيّرات. الرسالة الأوكرانية كانت واضحة: “إذا كانت مدننا تحترق، فلن يبقى العمق الروسي آمنًا”.
ولم تتوقف الحرب عند المنشآت. سلسلة اغتيالات وتفجيرات استهدفت شخصيات عسكرية وأمنية روسية داخل الأراضي الروسية وفي المناطق المحتلة، دفعت موسكو إلى اتهام كييف بأنها انتقلت من الحرب التقليدية إلى “حرب التخريب والإرهاب السياسي” بدعم استخباراتي غربي مباشر. وفي كل مرة كانت كييف تتباهى بقدرتها على الوصول إلى العمق الروسي، كانت موسكو ترد بسلسلة ضربات صاروخية ومسيرات هائلة على المدن الأوكرانية.
وهنا تغيرت طبيعة الحرب نفسيًا وإعلاميًا. بعد كل هجوم أوكراني داخل روسيا، يخرج الرئيس فولوديمير زيلينسكي ليمجّد “قدرات الجيش الأوكراني الجديدة” ويتحدث عن حق أوكرانيا في الدفاع عن نفسها وضرب مصادر التهديد. وفي المقابل، بعد كل رد روسي واسع على كييف أو خاركيف أو أوديسا، يعود زيلينسكي ليشتكي من “الإرهاب الروسي” ويطالب بمزيد من أنظمة الدفاع الجوي والأسلحة الغربية. أما موسكو فتقول إن ما يحدث ليس سوى رد مباشر على الهجمات الأوكرانية، وإن أوكرانيا هي من نقلت الحرب إلى العمق الروسي أولًا.
وفي ظل الجمود الميداني على الجبهات، أصبحت الحرب حرب استنزاف مفتوحة: روسيا تملك التفوق العددي والصاروخي والاقتصادي النسبي، وأوكرانيا تملك التكنولوجيا الغربية والدعم الاستخباراتي والقدرة على المناورة بالمسيّرات. لا أحد يحقق نصرًا حاسمًا، لكن الجميع يخسر.
الخسائر البشرية وحدها ترسم صورة الكارثة. تقديرات غربية مختلفة تشير إلى أن مجموع القتلى والجرحى من الطرفين تجاوز مئات الآلاف، مع حديث عن خسائر روسية كبيرة في الجبهات الشرقية والجنوبية، مقابل استنزاف أوكراني هائل في القوى البشرية والبنية التحتية. مدن كاملة دُمّرت، وملايين الأوكرانيين نزحوا أو هاجروا، بينما فقدت روسيا أعدادًا ضخمة من الجنود والعتاد، لكنها عوضت جزءًا من ذلك عبر اقتصاد الحرب والتعبئة الصناعية والعسكرية.
أما اقتصاديًا، فقد تحولت الحرب إلى حفرة مالية للطرفين ولأوروبا أيضًا. روسيا واجهت آلاف العقوبات الغربية، لكنها أعادت توجيه اقتصادها نحو آسيا، ورفعت صادرات الطاقة إلى الصين والهند، واستفادت من ارتفاع أسعار النفط والغاز خلال مراحل كثيرة من الحرب. وفي المقابل، دفعت أوروبا ثمنًا باهظًا؛ تضخم، أزمة طاقة، تراجع صناعي، وارتفاع غير مسبوق في الإنفاق العسكري.
ألمانيا وحدها خسرت جزءًا مهمًا من تنافسيتها الصناعية بعد تراجع الغاز الروسي الرخيص، بينما اضطرت أوروبا إلى شراء الغاز الأمريكي بأسعار أعلى بكثير. وفي الوقت نفسه، أصبحت أوكرانيا تعتمد ماليًا وعسكريًا على الغرب بشكل شبه كامل. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قدّما مئات المليارات من الدولارات كمساعدات عسكرية واقتصادية وإنسانية، لكن هذا الدعم بدأ يخلق انقسامًا داخل الغرب نفسه: إلى متى تستمر الحرب؟ ومن سيدفع فاتورتها النهائية؟
هنا يظهر التداخل الأمريكي الأوروبي بوضوح. واشنطن تريد إنهاك روسيا ومنعها من تحقيق نصر استراتيجي، لكنها لا تريد مواجهة مباشرة مع موسكو. أوروبا تريد حماية أوكرانيا، لكنها تخشى في الوقت نفسه من انهيار اقتصادي وأمني طويل الأمد. لذلك بدت العواصم الأوروبية أحيانًا أكثر توترًا من واشنطن نفسها، خصوصًا مع تصاعد الهجمات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية وارتفاع المخاوف من توسع الحرب.
وفي المقابل، ترى موسكو أن الغرب لم يعد مجرد داعم لأوكرانيا، بل أصبح شريكًا مباشرًا في الحرب. فالمسيّرات، والأقمار الصناعية، وأنظمة الاستهداف، والمعلومات الاستخباراتية، وحتى العمليات الخاصة، كلها – بحسب الرواية الروسية – جزء من حرب غربية تُدار بأيدٍ أوكرانية. ولهذا لم تعد روسيا تتحدث عن “عملية عسكرية خاصة” فقط، بل عن مواجهة مفتوحة مع الناتو بأكمله.
لكن المفارقة الكبرى أن هذه الحرب الطويلة بدأت تستهلك الجميع. أوكرانيا تنزف بشريًا واقتصاديًا، روسيا تستنزف عسكريًا وماليًا، أوروبا تعيش قلقًا استراتيجيًا غير مسبوق منذ الحرب الباردة، والولايات المتحدة تجد نفسها تدير حربًا في شرق أوروبا فيما تنشغل أيضًا بالصين وإيران والشرق الأوسط.
وفي خضم الأزمة الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة، بدا وكأن العالم نسي أوكرانيا للحظات. غير أن المدافع لم تصمت هناك، بل ربما استفادت موسكو من انشغال الإعلام والسياسة العالمية لتصعيد ضرباتها وإعادة رسم خطوط الردع. وفي المقابل، حاولت كييف إثبات أنها ما زالت قادرة على مفاجأة روسيا وضرب عمقها، حتى لو بدا المشهد وكأنه دخل مرحلة “السن بالسن”.
الحقيقة أن الحرب لم تعد فقط حرب حدود أو أراضٍ، بل حرب إرادات وتحمل واستنزاف طويل. روسيا تريد إثبات أن الغرب لا يستطيع كسرها، وأوكرانيا تريد إثبات أنها قادرة على الصمود والرد، وأوروبا تخشى أن تكون هي الخاسر الأكبر مهما كانت النتيجة، فيما تحاول واشنطن إدارة النار من بعيد من دون أن تحترق مباشرة بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى